الجمل و النصرة لسيد العترة في حرب البصرة - الشيخ المفيد - الصفحة ١٦
مصداقا لقول القائل: نحن مع الدليل نميل حيثما يميل.
و نراه يتعرض لشيخه الآخر ابن الجنيد الإسكافي بالانتقاد في مسألة الاجتهاد بالرأي.
و كذلك نقضه لكتاب أستاذه عليّ بن عيسى الرمّاني،[١] و غير ذلك. و ما ذكرناه هنا يراه بوضوح كل من يراجع كتبه و يطالعها، و يرى جميل فكره المتحرر و عقله المنفتح و أسلوبه العلمي و إدراكه الحاذق و وعيه المتكامل.
ب: سعة اطلاعه
و من الأمور التي يتميز بها سعة اطلاعه و عظيم إحاطته بالعلوم الإسلامية و غيرها، و في حال كونه فقيها عظيما و أصوليا ماهرا، نجده أديبا نبيلا و مؤرخا بصيرا و متكلما كبيرا و محدثا قديرا.
و هو مع حال كونه مرجعا للشيعة جمعاء، و قد انتهت إليه رئاسة الإماميّة، كان مدرسا بارعا، تخرج على يديه و من مدرسته عشرات العلماء كالسيّد المرتضى و السيّد الرضي و الشيخ الطوسيّ و النجاشيّ و غيرهم. و كان يجيب عن المسائل التي ترد عليه من جميع الأمصار و الأقطار في العالم الإسلامي، و كان يقوم بالدفاع عن المذهب و لم يكن غافلا عن احتياجات العالم الإسلامي، فألّف كتبا قيمة في أنواع من العلوم كالإرشاد، و الجمل، و العيون و المحاسن، و أوائل المقالات، و المزار، و أحكام النساء و غيرها.
و من الجدير بنا أن نشير إلى سعة اطلاع الشيخ المفيد في التاريخ الإسلامي، فهو في علم التاريخ فريد في نوعه، و من المتضلعين في فنه، ذو خبرة واسعة. و هو أول من دوّن التاريخ الجامع للأئمة عليهم السلام في كتابه الإرشاد، و قد عكف عليه كلّ من تأخر عنه و استضاء بنوره كل من جاء بعده، فهو العمدة في تاريخ الأئمة عليهم السلام. و ألف أيضا كتاب الجمل و هو من أجلّ ما ألّف في موضوعه، و كتبه بطريقة فريدة في زمنه حيث إنّه اعتمد في تأليفه على التحقيق، و كان هذا العمل في القرن الرابع للهجرة يعد قريبا من الإعجاز. فقد سلك شيخنا المفيد رضوان اللّه عليه في كتابته و تدوينه للتاريخ طريقتين:
الأوّل: طريقة الدراسة و التحليل، فلم يكن ينقل كل ما سمع و قرأ، بل. كان يتبع أسلوبا جديدا موسوما بالعقل و المنطق.
و الثاني: اعتماده في كتابته على أقدم المصادر و أهمها و عدم اعتنائه بالطبري و المسعودي و اليعقوبي و الدينوري و غيرهم. هذا مع أن تلامذته كالشيخ الطوسيّ و السيّد الرضي و السيّد المرتضى ينقلون من هؤلاء المؤرخين.
[١]- انظر رجال النجاشيّ ص ٣٩٩ و ٤٠٢.