الفقه الاسلامي(الرسالة العملية) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٣٧ - من نجاهد؟
الأرض حق في هذا الكيان، حتى يهاجروا إلى دار الإسلام. فإنْ هاجروا بعد تكونها، وجاهدوا مع المسلمين فيها، فهم والسابقون إليها سواء في حقوقهم. وللسابقين فضل المبادرة.
وهذا الانتماء الديني يشكل هوية المسلم السياسية، التي تتقدم على انتماءاته العرقية والقومية والإقليمية جميعاً. يقول ربنا سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنْ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمْ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [١].
وعند التدبر في كلمة أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ نفقه عمق العلاقة التي تتكون في دار الإسلام بين أهل الدار والمهاجرين، شريطة الإيواء والنصرة من قبل أهل الدار، كما الهجرة من قبل سائر المسلمين. أما إذا لم يهاجر المسلم فلا ولاية له، ولا حقوق سياسية أو اقتصادية.
بلى؛ باعتباره مسلماً ينبغي أن يُنصر إذا استنصر إخوانه في الدين لكي يدرؤوا عنه الأخطار المتوجهة إليه بسبب انتمائه الديني. ولكن مصالح الأمة الإسلامية المتواجدة في دار الإسلام هي الأهم. فلو أبرم المسلمون ميثاقاً مع دولة أخرى وفقاً لمصالح الأمة، ثم تعرض المسلمون في تلك الدولة إلى مضايقات، واستنصروا المسلمين، فلا ينبغي نقض الميثاق والتورط في حرب مع تلك الدولة، ممّا يعرض كيان الأمة إلى خطر.
ونتلو في آية كريمة قوله سبحانه: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ [٢].
ونستوحي من هذه الآية؛ وجوب الاندماج الروحي بين أهل الدار وبين المهاجرين، لتكوين نواة الأمة الإسلامية الواحدة التي تتجاوز الفوارق العرقية والقومية وما أشبه.
بلى؛ في إطار الأمة الواحدة تبقى للرحم ولايته، حيث إنّ أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله.
ويحذر ربنا سبحانه من أي انتماء آخر موازٍ للانتماء الرسالي، فيقول ربنا سبحانه: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا
[١] سورة الأنفال، آية: ٧٢.
[٢] سورة الحشر، آية: ٩.