الفقه الاسلامي(الرسالة العملية) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٤٠ - من نجاهد؟
وقد جاء في الحديث الشريف؛ أن علياً عليه السلام قال للعباس:
(يَا عَمِّ أَلا تُهَاجِرُ؟، أَلَا تَلْحَقُ بِرَسُولِ الله صلى الله عليه واله؟. فَقَالَ: أَلْسُتُ فِي أَعَظَمُ مِنْ الَهِجْرَةِ؟. أعْمُرُ الَمسْجِدِ الحَرَامَ، وَأَسَقِيَ حَاجِّ بَيِتِ الله .. فَنَزَلَتِ الْآيَة:
* أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [١].
الجهاد هو المعيار الصادق، لأنّ فيه تحدياً كبيراً للإرادة ومواجهة للشهوات والأهواء. أما بناء مسجد هنا أو مستوصف هناك، فإنّه يكون من أسهل الأمور لمن يملك الملايين أو يتسلط على إمكانات الدولة. وهكذا طبع نسخ من القرآن، أو إعطاء بضعة دراهم للفقراء ..
من هنا ينبغي أن نميّز أبداً بين المجاهدين، وبين المرائين والمتكلفين والمتخلفين عن الجهاد الواجب.
هاء: التمايز عن القاعدين:
والقاعدون- بدورهم- فئتان؛ فئة هم أولو الضرر، كالأعمى والمريض. أمّا الفئة الثانية فهم الذين يشتغلون في سائر أمور البلاد، كالفلاح في أرضه، والمحترف في محله، والعامل في مصنعه، والمهندس والطبيب ومن أشبه .. وقد فضّل الله سبحانه المجاهدين على القاعدين، إذ قال تعالى: لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً [٢].
في ظل العزة والكرامة والاستقلال تكون لكل إنسان قيمته، أمّا عند فقدها فلا قيمة لأحد. ومن هنا فإنّ الدفاع أهم من كل شيء، وأسمى من كل قيمة.
فإذا كان النظام السياسي فاسداً أو محكوماً بقوة أجنبية، فإنّ كل حركة وكل فرد وكل خيرات الأمة تكون في خدمة ذلك النظام الفاسد، أو لا أقل تكون غير مفيدة. وهكذا جاء في الحديث المعروف: إذا فسد
السلطان فسد الزمان. وقال الله سبحانه: وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً [٣].
وقد فسرت هذه الآية بقيادة المترفين، التي تنتهي إلى عذاب الله.
[١] نور الثقلين، ج ٢، ص ١٩٤.
[٢] سورة النساء، آية: ٩٥.
[٣] سورة الإسراء، آية: ١٦.