الفقه الاسلامي(الرسالة العملية) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٣٢ - والموت
مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [١].
ويقول ربنا سبحانه: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [٢].
المفيد جداً هو تذكر الموت والعمل للحياة، لعل هذه الكلمة تلخص كلمة الشريعة تجاه الموت، فما دمت- أيها الإنسان- كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه، فاجعل لقاء ربك الغاية، والكدح وسيلة، وعقبة الموت قنطرة، وقدِّم لحياتك، لكيلا تقول غداً مع القائلين: يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي [٣].
إنّما بتذكر الموت ولقاء الله، والاستعداد لهما سوف تكون- إن شاء الله- ممن قال ربنا سبحانه فيهم: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي [٤].
إنّ الموت مجرد رحلة، وما بعد الموت أعظم وأعظم منه. وبالتذكر الدائم للموت، يعمل الإنسان لما بعده، وبالتذكر للموت يعرف المرء قيمة الحياة الدنيا، هذه الفرصة التي لا تعوض، فيكدح فيها دون أن يضيع وقتاً. فإذا هو يقوم الليل إلّا قليلًا، ويستغفر بالأسحار، ويحض على طعام المسكين، ويكرم اليتيم. أمّا من نسي الموت؛ فتراه كما يقول الربُّ سبحانه: كَلَّا بَل لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمّاً (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً (٢٠) كَلَّا إِذَا دُكَّتْ الأَرْضُ دَكّاً دَكّاً (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى [٥].
وتذكر الموت يجعل الحياة أيسر عليك بل ويجعلك متفوقاً عليها. لأنها ليست سوى مرحلة في مسيرتنا الطويلة، فلماذا نأسى على ما فاتنا منها؟ ولماذا نفرح إلى حد الغرور بما أوتينا منها؟ لماذا الهلع الذي يصيب طالبي الدنيا، فهم عند فقدها جازعون، وعند الحصول عليها مانعون؟.
إنّ جوامع صفات الفضيلة وركائز آداب الخير، تجدها عند من يؤمن بالموت، ويتذكره،
[١] سورة الواقعة، آية: ٨٣- ٨٧.
[٢] سورة الجمعة، آية: ٨.
[٣] سورة الفجر، آية: ٢٤.
[٤] سورة الفجر، آية: ٢٧- ٣٠.
[٥] سورة الفجر، آية: ١٧- ٢٣.