الفقه الاسلامي(الرسالة العملية) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٣٩ - من نجاهد؟
وقد كان فريق من المسلمين على عهد رسول الله صلى الله عليه واله قد قعدوا عن الجهاد خلاف رسول الله، (الذي أمرهم بالجهاد وجاهد بنفسه). وكانت علة تخلفهم، كراهية الجهاد بالمال والنفس في سبيل الله. وقد أشاعوا تبريراً لفعلهم، فنهوا الناس عن القتال بزعم شدة الحرّ.
وكان من المسلمين أيضاً طائفة من الأثرياء، كانوا يستأذنون رسول الله بأنْ يسمح لهم بالقعود مع النساء.
ومثل هذه الجماعات المتقاعسة عن الجهاد، هم- في الواقع- عقبة في طريق النهضة. وعلى المجاهدين أن يتزيّلوا عنهم، بألّا يسمعوا لأعذارهم التي يحاولون بها منعهم عن مواصلة المسيرة.
وهناك الكثير من المتقاعسين في الأمة يبررون واقعهم بإشاعة الأفكار السلبية حول الجهاد والمجاهدين، وقد أشارت الآيات القرآنية إلى بعضها، مثل قوله تعالى: فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ [١]، أو قوله: وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [٢]، أو قوله سبحانه: وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [٣]، و:* قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ [٤]، وأيضاً: الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [٥].
ومن هذه الأفكار التبريرية ذات الأثر السلبي الكبير، مباهاة هؤلاء (وكثير منهم مترفون) ببعض الخدمات الاجتماعية الظاهرة؛ مثل عمارة المساجد وسقاية الناس، حيث يقول سبحانه:* أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ [٦].
[١] سورة التوبة، آية: ٨١.
[٢] سورة الأعراف، آية: ١٦٤.
[٣] سورة القصص، آية: ٥٧.
[٤] سورة الشعراء، آية: ١١١.آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي(دام ظله)، الفقه الاسلامي (الرسالة العملية) - بيروت، چاپ: نهم، ١٤٣١.
الفقه الاسلامي (الرسالة العملية) ؛ ج١ ؛ ص٥٣٩
[٥] سورة آل عمران، آية: ١٦٨.
[٦] سورة التوبة، آية: ١٩- ٢٠.