الفقه الاسلامي(الرسالة العملية) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٦٢ - ٥ - مصارف الإنفاق
كلا .. إنّ الإنفاق يدوِّر الثروة بين الناس، ويسبّب انتعاش الاقتصاد، وبالتالي استفادة الجميع، وحتى يدعوكم الله إلى العطاء، فإنه يدعوكم إلى أفضل منه. ومن جهة أخرى، فإن الشيطان يخوِّفكم من الفقر، فتمسكون أيديكم فيكرهكم الناس، وتنتشر البغضاء، وتتولد منها الفحشاء، أَوَليس الأفضل هو الإنفاق حتى تنتشر المحبة والوئام بدل الحقد والكراهية.
إن تأثير العطاء في الرخاء الاقتصادي، تأثير فطري ترعاه سنة الله في الحياة، سواءٌ علم الناس بالعطاء والإنفاق أم لا، لأن علم الناس بذلك أو جهلهم ليس له أثر في مدى تأثير العطاء والإنفاق في نمو الاقتصاد.
٤- كتمان الإنفاق:
ويكفي أن الله يعلم بذلك، إذ هو الذي يضاعف الثروة بالإنفاق لا الناس، يقول الله تعالى: وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [١].
وهكذا مهَّدت هذه الآية للحديث عن كتمان الإنفاق، فمادام الإنفاق في سبيل الله وليس بهدف الاستعلاء على الناس، فهو عمل صالح ولا يضره علم الناس به، ولكن كتمانه أفضل لأنه يبعد العمل عن هواجس النفس ووساوس الشيطان: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [٢].
ولأن الإنفاق ينبغي أن يكون في سبيل الله، فليست القيادة الإسلامية إلّا قناة للمال المُنفَق توصله إلى مستحقيه، وهي ليست مسؤولة عن إنفاق الأغنياء أكثر من ذلك، إنّما المسؤول الأول عن أعمال الشخص
آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي(دام ظله)، الفقه الاسلامي (الرسالة العملية) - بيروت، چاپ: نهم، ١٤٣١.
الفقه الاسلامي (الرسالة العملية) ؛ ج١ ؛ ص٤٦٢
ذاته، لأن فوائده وأضراره تصيبه مباشرة: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ [٣].
٥- مصارف الإنفاق:
ويبقى السؤال: أين ننفق الأموال؟ ولمن؟.
تجيب الآية الكريمة على ذلك: لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا
[١] سورة البقرة، آية: ٢٧٠.
[٢] سورة البقرة، آية: ٢٧١.
[٣] سورة البقرة، آية: ٢٧٢.