الفقه الاسلامي(الرسالة العملية) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٣٦ - من نجاهد؟
ومن هنا فإن الله سبحانه يأمر المؤمن باتباع سبيل من أناب إلى الله، بعد أن ينهاه عن الاستسلام لضغط العائلة، فيقول سبحانه: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [١].
ومن أناب إلى الله؛ هم الذين عادوا إلى حظيرة الإيمان بعد ابتعادهم- هم ومجتمعهم وأُسرهم- عنها. وإنّما الاتباع لسبيلهم هو القبول بنهجهم المغاير لمناهج المجتمع الجاهلي. ومنهجهم هو البراءة من الطاغوت ومؤيديه، ومن ثقافته وأنظمته، واتخاذ نهج المواجهة ضده بدل الاستسلام له.
وهذا الانتماء لا ينتزع المجاهد من محيطه العائلي انتزاعاً كلياً، (إلّا في ظروف المواجهة الحادة)، بل يجعل ارتباطه بالمحور الجهادي هو الأصل، فمنه يستمد ثقافته ويستلم قراراته. بينما يظل عضواً في عائلته نافعاً، يحسن إليهم، ويتعاون معهم في أمورهم الحياتية، ما لم يتناقض مع منهجه الجهادي.
بل يسعى لإقناعهم بالانتماء إلى النهج الجهادي، ولا ييأس من ذلك، فعسى الله أن يهديهم إلى السبيل الصحيح.
ويجدر بنا أن نستمع هنا إلى حديث شريف مأثور عن الإمام الصادق جعفر بن محمد عليه السلام، حيث قال:
(بِرُّ الْوَالِدَيْنِ مِنْ حُسْنِ مَعْرِفَةِ الْعَبْدِ بِالله، إِذْ لَا عِبَادَةَ أَسْرَعُ بُلُوغاً بِصَاحِبِهَا إِلَى رِضَى الله مِنْ بِرِّ [٢] الْوَالِدَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ لِوَجْهِ الله، لِأَنَّ حَقَّ الْوَالِدَيْنِ مُشْتَقٌّ مِنْ حَقِّ الله، إِذَا كَانَا عَلَى مِنْهَاجِ الدِّينِ وَالسُّنَّةِ، وَلَا يَكُونَانِ يَمْنَعَانِ الْوَلَدَ مِنْ طَاعَةِ الله إِلَى مَعْصِيَتِهِ، وَمِنَ الْيَقِينِ إِلَى الشَّكِّ، وَمِنَ الزُّهْدِ إِلَى الدُّنْيَا، وَلَا يَدْعُوَانِهِ إِلَى خِلَافِ ذَلِكَ، فَإِذَا كَانَا كَذَلِكَ فَمَعْصِيَتُهُمَا طَاعَةٌ، وَطَاعَتُهُمَا مَعْصِيَةٌ ...) [٣]
. باء: الهجرة والنصرة:
دار الإسلام هي التي يجتمع فيها المسلمون من أهلها ومن المهاجرين إليها، وحقوقهم فيها متساوية. فهم أمة واحدة، وكيان سياسي واحد. وليس لسائر المسلمين المتناثرين في آفاق
[١] سورة لقمان، آية: ١٥.
[٢] في بحارالأنوار، ج ٧١، ص ٧٧، «مِنْ حُرْمَةِ»
[٣] مستدرك الوسائل، ج ١٥، ص ١٩٨.