العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٨٢ - قولهم في الحبر
الوسم؛ فحلت محل الأنساب، و جرت مجرى الألقاب، وجدنا الأقلام الصّحريّة أسرع في الكواغد، و أمرّ في الجلود، كما أن البحرية منها أساس في القراطيس، و ألين في المعاطف، و أشدّ لتصريف الخط فيها؛ و نحن في بلد قليل القصب رديئه، و قد أحببت أن تتقدم في اختيار أقلام بحرية، و تتأنق في انتقائها قبلك، و تطلبها في مظانّها و منابتها، من شطوط الأنهار، و أرجاء الكروم، و أن تتيمم في اختيارك منها الشديد المحص [١] ، الصلبة المقصّ، النقية الجلود، القليلة الشحوم، المكتنزة اللحوم، الضيقة الأجواف، الرزينة المحمل؛ فإنها أبقى على الكتابة، و أبعد من الجفاء، و أن تقصد بانتقائك الرّقاق القضبان، المقومات المتون، الملس المعاقد، الصافية القشور، الطويلة الأنابيب، البعيدة ما بين الكعوب، الكريمة الجواهر، المعتدلة القوام، المستحكمة يبسا و هي قائمة على أصولها، لم تعجل عن إبّان ينعها، و لم يؤخّر إلى الأوقات المخوفة عليها من خصر الشتاء [٢] ؛ و عفن الأنداء؛ فإذا استجمعت عندك أمرت بقطعها ذراعا ذراعا، قطعا رقيقا؛ ثم عبأت منها حزما فيما يصونها من الأوعية، و وجهتها مع من يؤدي الأمانة في حراستها و حفظها و إيصالها، و كتبت معه رقعة بعدّتها و أصنافها بغير تأخير و لا توان، إن شاء اللّه تعالى.
قولهم في الحبر
قال بعض الكتّاب: عطّروا دفاتر آدابكم بجيّد الحبر، فإن الأدب غواني و الحبر غوالي.
و نظر جعفر بن محمد إلى فتى على ثيابه أثر المداد و هو يستره، فقال له:
لا تجزعنّ من المداد فإنه # عطر الرجال و حلية الكتّاب
[١] المحص: قوة الخلق مع ضمور.
[٢] خصر الشتاء: برده