العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٧٧ - قولهم في الأقلام
و معشر تنطق أقلامهم # بحكمة تلقنها الأعين
تلفظها في الصكّ أقلامهم # كأنما أقلامهم ألسن
و من قولنا في الأقلام:
يا كاتبا نقشت أنامل كفّه # سحر البيان بلا لسان ينطق
إلا صقيل المتن ملموم القوى # حزّت لهازمه و شق المفرق
فإذا تكلم رغبة أو رهبة # في مغرب أصغى إليه المشرق
يدلي بريقة أريه أو شريه # يبكي و يضحك من نداه المهرق [١]
و لعبد اللّه بن المعتز كلام يصف القلم. القلم يخدم الإرادة؛ و لا يمل الاستزادة؛ يسكت واقفا، و ينطق ساكتا؛ على أرض بياضها مظلم، و سوادها مضيء.
و قال سليمان بن وهب وزير المهدي: كل قلم تطيل جلفته؛ فإن الخط يخرج به أوقص [٢] .
و كتب جعفر بن يحيى إلى محمد بن الليث يستوصفه الخط، فكتب إليه:
أما بعد، فليكن قلمك بحريا لا سمينا و لا رقيقا، ما بين الرقة و الغلظ، ضيق النقب، فأبره بريا مستويا كمنقار الحمامة: أعطف قطته، و رقق شفرته؛ و ليكن مدادك صافيا خفيفا، إذا استمددت منه ليلة ثم صفه في الدواة؛ و ليكن قرطاسك رقيقا مستوي النسج، تخرج السحاة مستوية من أحد الطرفين إلى آخره؛ فليست تستقيم السطور إلا فيما كان كذلك، و ليكن أكثر تمطيطك في طرف القرطاس الذي في يسارك، و أقله في الوسط و لا تمطّ في الطرف الآخر، و لا تمط كلمة ثلاثة أحرف و لا أربعة، و لا تترك الأخرى بغير مط، فإنك إذا فرّقت القليل كان قبيحا، و إذا جمعت الكثير كان سمجا؛ ثم ابتدئ الألف برأس القلم كله، و اخططه بعرضه، و اختمه بأسفله؛ و اكتب الباء و التاء و السين و الشين، و المطة العليا من الصاد و الضاد
[١] الأري: العسل. و الشري: الحنظل.
[٢] الوقص: قصر في العنق مع ميل.