العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٧٩ - قولهم في الأقلام
و قال عمرو بن مسعدة: الخط صورة ضئيلة، لها معان جليلة، و ربما ضاق عن العيون، و قد ملأ أقطار الظنون.
و ذكر علي بن عبيدة القلم فقال: أصمّ يسمع النّجوى؛ أعيا من باقل، و أبلغ من سحبان وائل؛ يجهل الشاهد، و يخبر الغائب؛ و يجعل الكتب بين الإخوان ألسنا ناطقة، و أعينا لاحظة، و ربما ضمنها من ودائع القلوب ما لا تبوح به الألسن عند المشاهدة.
و قال أحمد بن يوسف الكاتب: ما عبرات الغواني في خدودهن بأحسن من عبرات الأقلام في خدود الكتب.
و قال العتابي: الأقلام مطايا الفطن.
و تخاير [١] غلامان في بعض الدواوين، فقاما إلى أستاذهما يعرضان عليه خطوطهما، فكره أن يفضّل أحدهما على الآخر؛ فقال لأحدهما: أما خطّك أنت فوشي محوك.
و قال للآخر: و أما خطك أنت فذهب مسبوك؛ تكافئتما في غاية، و توافيتما في نهاية.
و قال آخر: دخلت الديوان، فنظرت إلى غلام بيده فلم كأنه قضيب عقيان، و عليه مكتوب:
وا بأبي!وا بأبي # من كفّ من يكتب بي
و قال أبو هفان يصف القلم:
و إذا أمرّ على المهارق كفّه # بأنامل يحملن شختا مرهفا [٢]
و مقصّرا و مطوّلا و مقطّعا # و موصّلا و مشتّتا و مؤلّفا
كالحية الرّقشاء إلا أنه # يستنزل الأروى إليه تلطّفا [٣]
يهفو به قلم يمجّ لعابه # فيعود سيفا صارما و مثقّفا
و قال آخر في وصف الدواة:
[١] تخاير: تفاخر.
[٢] الشخت: الدقيق الضامر.
[٣] الأروى: أنثى الوعول.