الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٧٨ - (كتاب العقل والجهل)
إنَّه لم يَخَفِ اللَّهَ مَنْ لم يَعْقِلْ عن اللَّه، ومن لم يَعْقِلْ عن اللَّه لم يَعْقِدْ قلبَه على معرفةٍ ثابتةٍ يُبْصِرُها ويَجِدُ حقيقتَها في قلبه، ولا يكونُ أحدٌ كذلك إلّامَن كان قولُهُ لفعلِهِ مُصدِّقاً، وسرُّهُ لعلانيته موافقاً؛ لأنّ اللَّهَ- تبارك اسمه-
وقوله عليه السلام: (ورَداها) بفتح الراء المهملة، أي هلاكها، والمراد ما يوجب هلاكها وعذابها في الآخرة من ضلالتها.
ولمّا ذكر عليه السلام أنّ بعض القلوب تزيغ فأراد أن يبيّن أنّ من القلوب التي لم يمكن زيغها أصلًا فبيّنه (ظ) بقوله: (إنّه لم يخف اللَّه) إلخ.
وقوله: (من لم يَعْقِلْ عن اللَّه) أي من لم يكمل اللَّه عقله؛ يعني لم يخف اللَّه تعالى حقّ الخوف من لم يجعل اللَّه تعالى عقله كاملًا بحسب الفطرة والكسب معاً إلّامن استثنى، وهو من كان عقله كاملًا بحسب الفطرة فقط في الدرجة العليا كعيسى عليه السلام مثلًا في المهد، ومن لم يكن عقله كاملًا (لم يَعْقِدْ قلبه على معرفةٍ ثابتةٍ) أي لم يصدّق ذهنه تصديقاً يقينياً على معرفة ثابتة من المعارف الإلهيّة والعلوم الدينيّة بحيث لا يضطرب بتشكيك المشكّك، ولا يمكن أن يعقبه زيغ أصلًا (ويُبصِرُها) بعين بصيرته (ويَجِدُ حقيقتها في قلبه) وذهنه.
وقوله عليه السلام: (ولا يكون أحد كذلك) إشارة إلى المنفيّ، أي لا يكون أحد خائفاً عاقلًا عن اللَّه، عاقداً قلبه على معرفةٍ حقيقيّة يقينيّة (إلّا من كان قولُه لفعله مصدَّقاً) بفتح الدال على صيغة المفعول، أي كان قوله لأجل فعله مصدَّقاً بأن يكون فعله مطابقاً لقوله، كما سيجي في باب صفة العلماء في تفسير قوله تعالى: «إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ»[١] قال عليه السلام:
«يعني بالعلماء من صدّق فعله قوله»[٢]. وقيل: بكسر الدال، أي إلّامن إذا سئل عن أيّ فعل من أفعاله: من أين علمتَ حسنَه؟ أجاب بتطبيقه على كتاب اللَّه وسنّة رسوله ببرهان قاطع؛ وذلك كما ترى.
وقوله عليه السلام: (لأنّ اللَّه تبارك اسمه) إلخ دليل على أنّ المتّصف بالخوف وكمال العقل والاعتقاد اليقيني ليس إلّامن كان فعله مطابقاً لقوله، وسرّه لعلانيته.
[١]. فاطر( ٣٥): ٢٨.
[٢]. الكافي، ج ١، ص ٣٦، باب صفة العلماء، ح ٢.