الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٦٧ - (كتاب العقل والجهل)
دينهم بالتشكيك والتلبيس، وأن يصرفهم عن أهل الذكر بإظهار أنّ العلم بالمتشابه لا يختصّ بهم، ولابتغاء تأويله على ما يشتهونه، فأراد أن يبيّن العالم بتأويله على الوجه الذي يجب أن يحمل عليه وهو مراد اللَّه تعالى منه، فبيّنه بقوله: «وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ»[١] أي النبيّ والأئمّة عليهم السلام، كما سيجيء في كتاب الحجّة في باب أنّ الراسخين في العلم هم الأئمّة عليهم السلام.
قوله: «وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ» عطف على «اللَّه»، أي لا يعلم مراد اللَّه من المتشابه بعده يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَ ما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ» وقال: «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ» وقال: «أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُ
تعالى إلّامَن علّمهم اللَّه تعالى بتوقيف؛ لأنّ الناس غير مستقلّين بمعرفته، كما قال تعالى في سورة العنكبوت: «بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ»[٢] وهم الأئمّة عليهم السلام كما سيجيء في كتاب الحجّة. وقال في سورة القيامة: «ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ»[٣]. وقال في سورة طه:
«وَ لا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ»[٤].
وقوله تعالى: «يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ»[٥] استيناف موضح لحال الراسخين، أو حال منهم، أي آمنّا بجميع المعاني التي يتضمّنها الكتاب من محكماته ومتشابهاته على سبيل التفصيل «كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا»[٦] وذلك لا يمكن إلّابعد العلم اليقيني بجميع معاني الكتاب مِن محكماته ومتشابهاته وهو ممّا يختصّ بالراسخين في العلم من عباده، ولا يمكن للرعيّة إلّا الإيمان بها في الجملة؛ فإنّ الإيمان بالمحكمات- وإن تيسّر- لبعض الموفّقين بالتفصيل، لكنّ الإيمان بالمتشابهات لا يمكن لأحد منهم إلّابالإجمال بأن يصدّق بما أراد اللَّه تعالى منها.
وقوله تعالى: «وَ ما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ»[٧] مدح الراسخين بأنّهم اولوا العقول الكاملة، الصافية عن شوائب الوهم والهوى، البالغة إلى أعالي درجات العلى بحيث استعدّوا للاهتداء إلى تأويل المتشابهات على وجه المراد بتوقيف اللَّه تعالى لهم صلوات اللَّه عليهم.
وقوله عليه السلام: (وقال) أي في سورة آل عمران: «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ»[٨] حيث يفضي بهم إلى التصديق بوجود الصانع الواجب الوجود لذاته، الواحد، البريء من كلّ نقص، المتّصف بكلّ كمال.
وقوله عليه السلام: (وقال) أي في سورة الرعد: «أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ»[٩]
[١]. آل عمران( ٣): ٧.
[٢]. العنكبوت( ٢٩): ٤٩.
[٣]. القيامة( ٧٥): ١٩.
[٤]. طه( ٢٠): ١١٤.
[٥]. آل عمران( ٣): ٧.
[٦]. تتمّة الآية السابقة.
[٧]. تتمّة الآية السابقة.
[٨]. آل عمران( ٣): ١٩٠.
[٩]. الرعد( ١٣): ١٩.