الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٦٥٧ - باب الجبر والقدر و الأمر بين الأمرين
كَلَّفَ تخييراً، ونهى تحذيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يعْص مغلوباً، ولم يُطعْ مُكرهاً، ولم يملكْ مُفَوِّضاً،
إخوانهما؛ لأنّه أهمّ من إبطال مذهب عبدة الأوثان من الطائفتين، فقوله: (كلّف تخييراً، ونهى تحذيراً، وأعطى على القليل كثيراً) لبيان بطلان الجبر، أي كلّف العباد بالإتيان بما هو حسن ونافع لهم باختيارهم وإرادتهم، ونهاهم عن القبائح بأن حذّرهم وأعلمهم أنّها قبيح ضارّ لهم، ولا يجامع التخيير ولا إعلام النافع والضارّ في فعل المجبور، والمراد بإعطاء الكثير على القليل الوعد له عليه للترغيب في أعمال الخير للقادر على الخير والشرّ، فلا يجامع ذلك الوعد والترغيب مع الجبر كما مرّ آنفاً[١].
وقوله: (ولم يُعصَ مغلوباً [ولم يُطع مكرهاً] ولم يُملّك مفوّضاً) لبيان بطلان زعم المفوّضة والمعتزلة المعبّر عنهم بخصماء الرحمان والقدريّة المذكورين سابقاً بتقريب ذكر إخوانهم، أي الجبريّة، فقوله: «لم يُعْصَ» على صيغة المجهول و «فيه» ضمير راجع إلى اللَّه.
والمقصود أنّه لو كانت قدرة العبد وإرادته مستقلّة في التأثير، ولا يكون لقدرته تعالى تأثير في فعله، ولا يتعلّق إرادته بالكفر والمعصية مطلقاً، بل يكون الكفر والمعصية خلاف مشيّته، والإيمان والطاعة متعلّقاً لإرادته، فلزم أن يكون الكافر العاصي غالباً على اللَّه؛ لوقوع ما شاء به، وعدم وقوع ما شاء اللَّه، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً.
وقوله: «لم يطع» على صيغة المجهول، والضمير راجع إلى اللَّه تعالى. والمكره بكسر الراء ردّ على الجبريّة فيما بين الفقرتين الدالّتين على بطلان مذهب المعتزلة والمفوّضة؛ لكثرة الاعتناء بشأنه.
وجعل بعض الفضلاء هذا أيضاً ردّاً عليهما وقال: المكرَه بفتح الراء، يعني يلزم ممّا ذهب إليه المعتزلة والمفوّضة أنّ العبد لو أراد الطاعة وأراد اللَّه تعالى منه تركها على فرض محال، كان اللَّه تعالى مطاعاً بإكراهٍ، تعالى عن ذلك.
وقوله: «ولم يملِّك مفوِّضاً» بكسر اللام والواو، يعني لم يملّك القدرة والإرادة مفوّضاً
[١]. قارن الشافي للقزويني، ص ٥٦٧( مخطوط).