الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٦٥٨ - باب الجبر والقدر و الأمر بين الأمرين
ولم يَخْلُقِ السماواتِ والأرضَ وما بينهما باطلًا، ولم يَبْعَثِ النبيّينَ مبشّرينَ ومنذرينَ عَبَثاً؛ ذلك ظنُّ الّذين كفروا، فويلٌ للّذين كَفَروا من النارِ»، فأنشَأَ الشيخُ يقول:
|
أنت الإمام الذي نرجو بطاعته |
يومَ النجاةِ من الرحمن غُفراناً |
|
|
أوضَحْتَ من أمرنا ما كانَ مُلْتَبِساً |
جَزاكَ رَبُّكَ بالإحسانِ إحساناً |
|
الأفعال الاختياريّة إلى الناس بحيث لا تأثير لقدرة اللَّه تعالى ومشيّته فيما فعلهم في ملكه كما ذهب إليه القدريّة من المعتزلة والمفوّضة.
وقوله: (ولم يخلق السماوات والأرض) إلخ ردّ على ظنّ عبدة الأوثان المذكورين سابقاً بتقريب إخوانهم، وهذا إشارة إلى ما في قوله تعالى في سورة ص: «وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ* أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ»[١].
ويحتمل أن يكون قوله: «ولم يبعث النبيين مبشّرين ومنذرين عبثاً» جملة معترضة في أثناء الردّ على عبدة الأوثان ردّاً على الجبريّة. روى ابن بابويه في كتاب التوحيد فقال الشيخ:
يا أمير المؤمنين فما القضاء والقدر اللذان ساقانا وما هبطنا وادياً ولا علونا تلعة إلّابهما؟
فقال أمير المؤمنين عليه السلام: «الأمر من اللَّه والحكم». ثمّ تلا هذه الآية: «وَ قَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً»[٢] انتهى[٣].
أقول: ليس المراد بالأمر والحكم ما يقابل النهي، وإلّا لم يستقم الكلام؛ لأنّ كلّ ما وقع من المأمور به والمنهيّ، عنه بالقضاء والقدر، فالمراد بهما تعلّق إرادته تعالى وتأثيره وإيجاده مقارناً لتعلّق إرادة المؤثّرة للعبد وتأثيره، فمعنى قوله تعالى على هذا أنّ عدم عبادتكم إلّاإيّاه وإحسانكم بالوالدين بقضاء اللَّه تعالى، أي بإيجاده ومشاركة تأثيره تعالى لتأثيركم، واللَّه تعالى يعلم.
[١]. ص( ٣٨): ٢٧- ٢٨.
[٢]. الإسراء( ١٧): ٢٣.
[٣]. كتاب التوحيد، ص ٣٨٢، باب ٦٠، ح ٢٨.