الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٦٥٥ - باب الجبر والقدر و الأمر بين الأمرين
لأنّ القدريّة هم المفوّضة والمعتزلة لا الجبريّة والأشاعرة كما توهّمه بعض العلماء لوجوه:
أمّا أوّلًا، فلأنّه وقع في روايات كثيرة- بحيث يكاد أن يكون القدر المشترك بينها متواتراً- أنّ القدريّة مجوس هذه الامّة[١]. والمجوس ذهبوا إلى أنّ فاعل الخير هو يزدان، وفاعل الشرّ هو أهرمن، فالقدري هو من قال بتعدّد الفاعل المستقلّ بالتأثير، وباستقلال إرادة العبد وقدرته في فعله كالمفوّضة والمعتزلة ليكون موافقاً للمجوس ومشابهاً لهم لأمر نفي الفاعليّة والتأثير عن غير اللَّه تعالى مطلقاً كالجبريّة والأشاعرة، فلا يصحّ إطلاق المجوس على من لا يكون موافقاً ومشابهاً لهم أصلًا، بل يكون مخالفاً ومبايناً عنهم بالكلّيّة.
وأمّا ثانياً، فلأنّه وقع في الأحاديث الآتية القدر في مقابل الجبر، فظهر أنّ معناهما متقابلان، فإذا كان الجبر نفي تأثير إرادة العبد في فعله- سواء كان له إرادة أم لا- فيكون القدر إثبات تأثير إرادة العبد فيه بالاستقلال من غير تأثير إرادة اللَّه تعالى فيه، فظهر أنّ القدري من يقابل الجبري من المفوّضة والمعتزلة.
وأمّا ثالثاً، فلما رواه ابن بابويه في كتاب التوحيد في باب القضاء والقدر عن أبي عبد اللَّه عليه السلام أنّه قال: «إنّ القدريّة مجوس هذه الامّة، وهم الذين أرادوا أن يصفوا اللَّه بعدله، فأخرجوه من سلطانه، وفيهم نزلت هذه الآية: «يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ* إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ»»[٢] على أنّ المؤلّف أيضاً- وهو من عظماء أصحابنا- هكذا فهم من القدر حيث جعله مقابلًا للجبر، وقال: باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين.
لا يقال: إنّ المحقّق الطوسي رحمه الله اختار مذهب المعتزلة في تلك المسألة، فيلزم أن يكون قدرياً.
لأنّا نقول: هذا الإسناد من توهّمات الشارحين بكلامه، وليس مذهبه في تلك المسألة إلّا ما تعلّمه من أحاديث أهل البيت عليهم السلام من الأمر بين الأمرين كما حقّقناه وحرّرناه، وما نسب إليه محض توهّم وغلط، بل كما هو منكرٌ لمذهب الجبريّة الصرفة والأشاعرة منكرٌ لمذهب
[١]. التوحيد، ص ٣٨٢، باب ٥٩، ح ٢٩.
[٢]. القمر( ٥٤): ٤٨- ٤٩.