الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٦٢٩ - باب البداء
دَبَّ ودَرَجَ من إنسٍ وجنٍّ وطيرٍ وسِباعٍ، وغير ذلك ممّا يُدرَكُ بالحواسّ.
فللَّه- تبارك وتعالى- فيه البداءُ ممّا لا عينَ له، فإذا وَقَعَ العينُ المفهومُ المدرَكُ فلا بَداءَ، واللَّهُ يَفعلُ ما يشاء، فبالعلمِ عَلِمَ الأشياءَ قبلَ كونها، وبالمشيئةِ عَرَّفَ صفاتِها وحدودَها، وأنشأها قبلَ إظهارها، وبالإرادةِ مَيَّزَ أنفسَها في ألوانها وصفاتها،
وقوله: (درج) عطف تفسيري ل «دبّ» ومعناهما مشى.
وقوله: (فللَّه تبارك وتعالى فيه البداء) إلى قوله: (فبالعلم) تبيين وتوضيح للجملة المعترضة، أي يثبت للَّهتعالى البداء بالمعنيين اللذين ذكرناهما آنفاً (فيه) أي في المعلوم (ممّا لا عين له)؛ يعني يثبت البداء في بعض معلوماته تعالى الذي «لا عين له» أي لا خارج له؛ يعني لا يوجد بعد في الخارج (فإذا وقع) في الخارج (العين المفهوم المدرَك) أي الشخص المفهوم بالذهن المدرك بالحواسّ (فلا بداء) أي لا إيجاد ولا إيقاع ولا نسخ؛ لاستحالة تحصيل الحاصل، ولا خفاء على جميع ما عداه كما لا يخفى.
وقوله: (فبالعلم علم الأشياء) إلخ، تتمّة للجواب، أي بالعلم الذي هو عين لذاته تعالى علم الأشياء بذاته.
(وبالمشيّة) أي القدرة الذاتيّة (عرّف) العقول والنفوس (صفاتِها وحدودَها) وينبغي حمل الحدود على ما يعمّ من الحدّ والرسم والحدود المحيطة بالمقدار.
(وأنشأها) أي أوجدها في الأذهان وجوداً ذهنياً، أو في اللوح المحفوظ وجوداً في الكتابة قبل إظهارها وإيجادها في الخارج؛ فإنّ ذلك التعرّف إنّما يكون بقدرة اللَّه تعالى، وذلك لا ينافي اختصاصه تعالى ببعض العلوم؛ لأنّه لا يلزم من ذلك تعرّف جميع المعلومات، بل يكفي تعرّف بعض الأشياء، فيكون بعضها مخفيّاً عن غيره لا سيّما العلم بمصالح وجودها الذي يسمّى بسرّ القدر، أي سرّ تعلّق الإرادة بالأمر المعيّن على الوجه المخصوص.
(وبالإرادة ميّز أنفسَها) أي بسبب الإرادة الذاتيّة ميّز الأشياء بعضها عن بعض في نفس الأمر ب (ألوانها وصفاتها) وتشخّصاتها.