الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٢٣٧ - كتاب فضل العلم
لا يَعتذِرُ ممّا لا يعلم فيسلم، ولا يَعَضُّ في العلم بضِرْسٍ قاطِعٍ فيَغْنَمَ، يَذري الرواياتِ ذَرْوَ الريح الهَشيم، تبكي منه المواريثُ، وتَصرُخُ منه الدماء؛ يُستحلُّ بقضائه الفَرْجُ الحرام، ويُحرَّمُ بقضائه الفَرْج الحلال، لامَلِيءٌ بإصدار ما عليه وَرَدَ،
والخبّاط بتشديد الباء الموحّدة للمبالغة، قال الجوهري: «خَبَطَ البعيرُ الأرضَ بيده خَبْطاً:
ضربها، ومنه قيل: خَبْطَ عَشْواءَ، وهي الناقة التي في بَصَرها ضعفٌ، تَخْبِطُ إذا مَشَتْ لا تتوقّى شيئاً. وخَبَطَ الرجل، إذا طَرَحَ نفسَه حيث كان لينامَ»[١].
وقوله عليه السلام: (لا يَعتذِرُ ممّا لا يعلم) إذا سئل عنه (فيسلم) أي ليسلم من القول على اللَّه بغير علم، أو من الافتضاح إذا ظهر خلافه. وهذا ناظر إلى قوله: «مفتاح عشوات».
وقوله عليه السلام: (ولا يَعَضُّ في العلم بضرسٍ قاطعٍ فَيَغْنم) العضّ: الأخذ بالأسنان، والمقصود أنّه ليس في كسب العلم- اصولًا كان أو فروعاً- قويّاً حتّى يحصل له فائدة منه، بل إنّما الحاصلُ له من ذلك الكسب الجهلُ. وهذا ناظر إلى «خبّاط جهالات».
وقوله عليه السلام: (يَذري الرواياتِ ذَرْوَ الريح الهَشيم) يقال: ذرت الريح التراب وغيره تذروه وتذريه ذرواً وذرياً، أي طيّرته. والهشيم من النبات: اليابس المتكسّر. والمراد تأويل الروايات على الهوى، وتقديم القياس على الخبر الواحد كما هو رأي أبي حنيفة، وعدم رعاية الجمع بين متعارضاتها مهما أمكن. وهذا إلى آخر الحديث ناظر إلى قوليه من «ركّاب شبهات» و «خبّاط جهالات».
وقوله عليه السلام: (تبكي منه المواريثُ، وتَصرُخُ منه الدماء) أي حين يحكم فيهما بخلاف الحقّ بالشبهات والجهالات. والصُراخ- بالضمّ-: الصوت.
وقوله عليه السلام: (يُستحلّ بقضائه الفرجُ الحرامُ) على صيغة المجهول، وكذا قوله: «يُحرَّم» كما في الإخلال بشرائط الطلاق وطواف النساء ونحو ذلك.
وقوله عليه السلام: (لا مَلِيءٌ بإصدار ما عليه ورد) المليء- بفتح الميم وكسر اللام وسكون الياء وآخره همزة-: الغنيّ المتموّل. والإصدار: الإرجاع، أي بإرجاع ما ورد عليه. والمراد أنّه
[١]. الصحاح، ج ٢، ص ١١٢١.