الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٢١٢ - كتاب فضل العلم
وقَدْرُ كلِّ امرئ ما يُحسِنُ، فتَكَلّموا في العلم تَبَيَّنْ أقدارُكم».
١٥. الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الوشّاء، عن أبان بن عثمان، عن عبداللَّه بن سليمان، قال: سمعتُ أبا جعفر عليه السلام يقول وعنده رجلٌ من أهل البصرة يقال له:
«عثمان الأعمى» وهو يقول: إنَّ الحسنَ البصريّ يَزعُمُ أنَّ الذين يكتمونَ العلمَ يُؤذي ريحُ بطونهم أهلَ النار،
شبّه ما يحسن بالأب؛ لأنّ المرء يعرف بما يُحسنه وينتفع عنه، وينتظم حاله به ويفتخر ويحدّث به شكر نعمة[١] ربّه، كما يقال: فلان الكاتب، وفلان الأديب مثلًا، وكلّ واحد منهما ينتفع عن صناعته، وينتظم حاله بها، ويفتخر ويحدّث بها كما يعرف الابن بالأب، ويقال:
فلان بن فلان، وينتفع عنه وينتظم حاله به، ويفتخر به.
وقوله عليه السلام: (وقدرُ كلّ امرئ ما يُحسن) أي قيمته ورتبته في العزّ والشرف والذلّ والخسّة ما يعلمه كما هو حقّه، أو ما أتى به حسناً فإن كان ما يحسنه أمراً خسيساً كصنائع الدنيّة، كان المرء خسيساً ذليلًا، وإن كان عزيزاً شريفاً، كالعلم بالمعارف الإلهيّة والمسائل الدينيّة كان المرء عزيزاً شريفاً.
(فتكلّموا في العلم) أي تكلّموا في كسب العلم، وتذاكروه وتباحثوا فيه وتحدّثوا به.
فالمراد بالعلم أعمّ من المعارف العقليّة الحقيقيّة والعلوم النقليّة الدينيّة للعمل بمقتضاها.
و «تبيّنْ» في قوله عليه السلام: (تَبَيَّنْ أقدارُكم) مجزوم بجواب الأمر، وأصله تتبيّن حذف إحدى التاءين من باب التفعّل[٢]. والبَين: البُعد، يقال: تبيّن، إذا انفرد وبَعُدَ عن أمثاله. والمقصود:
يرتفع أقداركم جدّاً؛ فإنّ التفاوت بين قدر من يحسن المعارف العقليّة والعلوم النقليّة الدينيّة ليعمل بها، ومن يحسن شيئاً غير هذا أظهر من أن يخفى، أو معناه يتّضح أقداركم فلا حاجة لكم إلى المدح والثناء، ولا سيّما من الجهّال؛ فتدبّر.
قوله: (إنّ الحسن البصري يَزعُمُ أنّ الذين يكتمون العلمَ يُؤذي ريحُ بطونهم أهلَ النار)
مقصود الحسن من هذا القول أنّه لم يكن عند رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم علم سوى ما اشتهر بين
[١]. في النسخة:« النعمة».
[٢]. في النسخة:« التفعيل».