الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٢١٠ - كتاب فضل العلم
رفعه، أنَّ أميرَ المؤمنين عليه السلام قال في بعض خُطَبه: «أيّها الناس، اعلَموا أنّه ليس بعاقل من انْزَعَجَ من قول الزور فيه، ولا بحكيم من رضي بثناء الجاهل عليه؛ الناس
وقوله: (اعلموا أنّه ليس بعاقل من انْزَعَجَ من قول الزور فيه) يقال: أزعجه، أي أقلقه وقلعه من مكانه وانزعج بنفسه، ويكون ذلك للمكروه وللمحبوب.
و «الزور»: الكذب، أي ليس بعاقل من قلق، وخرج من مكانه من قول الكذب والمائل عن الحقّ فيه، أو في صديقه، أو في عدوّه- ذمّاً كان أو مدحاً-؛ لأنّه إذا كان فيه كمال ونفاه الكاذب، أو لم يكن فيه منقصة وأثبتها له، لم ينتف عنه بذلك القول كماله، ولم يحصل له به منقصة، بل إنّما يحصل للكاذب منقصة واستحقاق العذاب، وكذا إذا لم يكن فيه كمال وأثبته له، أو كان فيه منقصة ونفاها عنه، لم يحصل له بذلك القول كمال، ولم ينتف عنه به المنقصة، وكذا الحال في صديقه وعدوّه، فالعقل يمنع من الانزعاج بما يعلم عدم ضرّه من قول الزور في ذمّه، وبما يعلم عدم نفعه من قول الكذب في مدحه.
وقوله عليه السلام: (ولا بحكيم من رضي بثناء الجاهل عليه) لأنّ الحكيم عالم بأسباب الأشياء ومسبّباتها، ويعلم مخالفة الجهل والجاهل للعلم والعالم، ويعلم أنّ التخالف يوجب التنافر في الطبائع، فيعرف أنّ الجاهل لا يحبّ العالم، ولا يميل إلّاإلى مُشاكله، ولا يثني من خلوص الاعتقاد إلّاعلى الجاهل، فثناؤه عليه إمّا لأن يعتقد جهله ومناسبته له، وإمّا لأن يستهزئ به باعتقاده، أو لأن يخدعه باعتقاده، وظاهر أنّ الحكيم لا يرضى بشيء من ذلك، فالحكمة لا تجامع الرضا بثناء الجاهل، والعقل لا يجامع الانزعاج من قول الزور، فظهر أنّ الانزعاج من قول الزور أقبح من الرضا بثناء الجاهل؛ لأنّ الأوّل يدلّ على عدم العقل، والثاني على عدم الحكمة، هذا.
ثمّ أقول: يمكن تفسيره بوجه آخر وهو أنّه لمّا كان الجاهل عاجز [اً] عن حقّ إدراك العلم والحكمة والصفات الكماليّة التي يتّصف الحكيم بها بل كلّ ما يتصوّره من تلك الكمالات فإنّما يتصوّره على وجه هو في الواقع منقصة، فثناؤه عليه إنّما هو بالمعاني المذمومة التي تصوّرها من تلك الكمالات وقَصَدَها بالعبارات الدالّة على الثناء ففي