الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ١٠٨ - (كتاب العقل والجهل)
إنَّ اللَّه تعالى خلَق العقلَ، فقال له: أقبِلْ، فأقبَلَ، وقال له: أدبِرْ، فأدبَرَ، فقال: وعزَّتي وجَلالي ما خلقْتُ شيئاً أحسَنَ منك أو أحبَّ إليَّ منك،
لهم كرامة وشرف عند من خاطبهم، حذف اختصاراً بقرينة أنّ الكلام في مطلق العقل الكامل لا في خصوص العقل عن اللَّه في الدرجة العليا الذي يختصّ بمن خاطبهم اللَّه تعالى بالوحي أو التحدّث أو الإلهام والكشف كالأنبياء والأئمّة عليهم السلام، وكمن هو قريب منهم من الحكماء الإلهيّين والعلماء الربّانيّين، فالاعتناء التامّ إنّما هو بشأن الذين خاطبهم بهذا الخطاب الذي بيّنه بقوله: (إنّ اللَّه خلق العقل) إلخ، أو بغير ذلك بأحد الوجوه المذكورة، وهم الذين يتّصفون بكمال العقل النظري والعملي بحسب الفطرة والكسب معاً في الدرجة العُليا.
ثمّ بعد هؤلاء إنّما يعبأ بشأن الذين عقولهم الكاملة أدون من عقول هؤلاء، سواء كان كمال تلك العقول بحسب الفطرة فقط، أو بحسب الكسب فقط، أو بحسبهما معاً في الدرجة الدنيا. وأمّا ضعفاء العقول الذين لا يتّصفون بكمال العقل أصلًا فلا يعبأ بهم مطلقاً.
وقوله عليه السلام: (إنّ اللَّه خلق العقل) إلخ بيان لمن خاطبهم اللَّه، وللخطاب بهم- أي خلق العاقل عن اللَّه في الدرجة العليا- عبّر عنه بالمبدأ للمبالغة كقولك: زيد عدل، فقال له بالوحي أو بالتحدّث أو بالكشف والإلهام: (أقبل)، أي أقدم بمعرفتي وبجميع مأموراتي من التكاليف الشرعيّة على وجه الكمال (فأقبل) أي أقدم بجميعها على هذا الوجه (وقال له: أدبر) أي انصرف عن جميع منهيّاتي (فأدبر) أي انصرف عن جميعها بحيث لا يصدر عنه صغيرة ولا كبيرة، أو أدبِرْ عن غيري فأدْبَر، أي ترك الدنيا وتجرّد عنها بكلّيّة، و «أقبل» إليّ «فأقبل» اللَّه تعالى بكلّيّته حتّى حصل له مراتب الوصول والاتّصال والفناء في اللَّه. ولمّا كانت التخلية قبل التحلية فالترتيب يقتضي تقديم الإدبار على الإقبال، وكلامه عليه السلام لا يدلّ على تقدّم الإقبال على الإدبار؛ لأنّ الواو للجمعيّة ولا تفيد[١] الترتيب.
وقوله: (أو أحبّ إليّ منك) ترديد من الراوي.
[١]. في النسخة:« لا يفيد».