دانشنامه اميرالمؤمنين بر پايه قرآن، حديث و تاريخ - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ٣٧٤ - ٥/ ٣ فصاحت و بلاغت امام
الفَصيحِ وإلّا فَليُمسِك، فَإِنَّ السُّكوتَ أستَرُ، وَالعِيَّ خَيرٌ مِن مَنطِقٍ يَفضَحُ صاحِبَهُ، ومَن تَأَمَّلَ هذَا الفَصلَ عَلِمَ صِدقَ مُعاوِيَةَ في قَولِهِ فيهِ: «وَاللّهِ ما سَنَّ الفَصاحَةَ لِقُرَيشٍ غَيرُهُ» ويَنبَغي لَوِ اجتَمَعَ فُصَحاءُ العَرَبِ قاطِبَةً في مَجلِسٍ وتُلِيَ عَلَيهِم أن يَسجُدوا لَهُ كَما سَجَدَ الشُّعَراءُ لِقَولِ عَدِيِّ بنِ الرِّقاعِ:
|
«قَلَمٌ أصابَ مِنَ الدَّواةِ مِدادَها»[١] |
فَلَمّا قيلَ لَهُم في ذلِكَ قالوا: إنّا نَعرِفُ مَواضِعَ السُّجودِ فِي الشِّعرِ كَما تَعرِفونَ مَواضِعَ السُّجودِ فِي القُرآنِ.
وإنّي لَاطيلُ التَّعَجُّبَ مِن رَجُلٍ يَخطُبُ فِي الحَربِ بِكَلامٍ يَدُلُّ عَلى أنَّ طَبعَهُ مُناسِبٌ لِطِباعِ الاسودِ وَالنُّمورِ و أمثالِهِما مِنَ السِّباعِ الضّارِيَةِ، ثُمَّ يَخطُبُ في ذلِكَ المَوقِفِ بِعَينِهِ إذا أرادَ المَوعِظَةَ بِكَلامٍ يَدُلُّ عَلى أنَّ طَبعَهُ مُشاكِلٌ لِطِباعِ الرُّهبانِ لابِسِي المُسوحِ، الَّذينَ لَم يَأكُلوا لَحما ولَم يُريقوا دِماءً، فَتارَةً يَكونُ في صورَةِ بِسطامِ بن قَيسٍ الشَّيبانِيِّ وعُتَيبَةَ بنِ الحارِثِ اليَربوعِيِّ وعامِرِ بنِ الطُّفَيلِ العامِرِيِّ، وتارَةً يَكونُ في صورَةِ سُقراطَ الحَبرِ اليونانِيِّ ويوحَنَّا المَعمَدانَ الإِسرائيلِيِّ والمَسيحِ بنِ مَريَمَ الإِلهِيِّ.
واقسِمُ بِمَن تُقسِمُ الامَمُ كُلُّها بِهِ، لَقَد قَرَأتُ هذِهِ الخُطبَةَ مُنذُ خَمسينَ سَنَةً وإلَى الآنَ أكثَرَ مِن ألفِ مَرَّةٍ، ما قَرَأتُها قَطُّ إلّا و أحدَثَت عِندي رَوعَةً وخَوفا وعِظَةً، و أثَّرَت في قَلبي وَجيبا[٢] وفي أعضائي رِعدَةً، ولا تَأَمَّلتُها إلّا وذَكَرتُ المَوتى مِن
[١] صدره:« تُزجي أغنَّ كأنّ إبرة روقه»( الأمالي للسيّد المرتضى: ج ٤ ص ٣٧).
[٢] وَجَبَ القلبُ وَجباً ووجِيباً: خَفَق واضطرَبَ( لسان العرب: ج ١ ص ٧٩٤« وجب»).