مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٩٧ - الوحي وليد النبوغ ؟
الأنبياء على طرف نقيض من أحوال النوابغ ، فإنّ أفكار النوابغ تتوقّد وتزدهر تحت لواء المجتمعات الراقية ، وتحت ظل الحضارات الإنسانية ، وأمّا المجتمعات المتخلّفة فلو كانت تمتلك نوابغاً بالذات لاُخمد فيها ذكاؤهم وبارت فيها فطنتهم.
وأمّا الظروف التي كان يعيش فيها الأنبياء خصوصاً النبي الخاتم صلىاللهعليهوآلهوسلم فقد كانت على نقيض هذا الجانب ، فقد بعث صلىاللهعليهوآلهوسلم بين قوم يغطّون في سبات التخلّف والإنحطاط ، فكيف يمكن تفسير النبوّة الخاتمة بالنبوغ مع هذا البون الشاسع بين ظروف النوابغ وظروف خاتم المرسلين صلىاللهعليهوآلهوسلم.
أضف إلى ذلك : انّ النوابغ تسودهم العزلة والانزواء مع أنّ النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم كان بين الناس يعيش معهم في حياتهم الإجتماعية وإن لم يكن على سيرتهم وسلوكهم ، فقد قضى عمره في الرعي والتجارة إلى أن بعثه الله سبحانه نبيّاً لهداية الاُمّة.
وأنّى للنوابغ الكتاب الذي حارت فيه العقول وخرست الألسن عن النطق بمثله ؟ وأين لهم هذه النظم والتشريعات الحيّة النابضة التي تتلائم وتنسجم مع جميع الحضارات الإنسانية ، فهي كما وصفها شبلي شمّيل اللبناني المتوفّى عام ١٣٣٥ ه ق في رسالته إلى صاحب المنار :
إلى السيّد محمد رشيد رضا صاحب ( المنار ) :
أنت تنظر إلى محمّد كنبيّ وتجعله عظيماً ، وأنا أنظر إليه كرجل وأجعله أعظم ، ونحن وإن كنّا في الاعتقاد على طرفيّ نقيض ، فالجامع بيننا العقل الواسع والإخلاص في القول ، وذلك أوثق لنا لعرى المودّة ( الحق أولى أن يقال ) :
|
دع من محمّد في صدى قرآنه |
|
ما قد نحاء للحمة الغايات |
|
إنّي وإن أك قد كفرت بدينه |
|
هل أكفرن بمحكم الآيات ؟ |
|
أو ما حوت في ناصع الألفاظ من |
|
حكم روادع للهوى وعظات |