مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤١ - معاقرة الخمور وارتياد نواديها
ولمّا أخبر النبي عن نزول الوحي وتلا الآيتين إرتفعت أصواتهم بقولهم : اتنهينا ، اتنهينا.
وكلّ هذا يعرف عن رسوخ هذه العادة الشنيعة وهذا العمل القبيح في المجتمع العربي آنذاك إلى درجة انّ النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم لم يستطع ـ تحت ضغط الظروف ـ أن يقطع مادة الفساد منذ هبوطه أرض المدينة دفعة واحدة ، بل تدرّج في تحقيق التحريم ، وترسيخه في أذهانهم ونفوسهم.
رووا أصحاب السنن والمسانيد أنّه لمّا نزل تحريم الخمر قال عمر : اللّهم بيّن لنا في الخمر بياناً شافياً ، فنزلت الآية التي في البقرة : ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ ) قال فدعي عمر فقرئت عليه فقال : اللّهمّ بيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً ، فنزلت الآية التي في سورة النساء : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ ) فكان منادي الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم إذا اُقيمت الصلاة ينادي ألا يقربنّ الصلاة سكران ، فدعي عمر فقرئت عليه ، فقال : اللّهمّ بيّن لنا بياناً شافياً ، فنزلت : ( إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ ).
قال عمر : اتنهينا ، اتنهينا [١].
ويظهر ممّا رواه ابن هشام عن بعض أهل العلم : انّ نهي الرسول عن الخمر كان مشهوراً عندما كان مقيماً بمكّة بين ظهراني قريش ، وخرج الأعشى إلى رسول الله يريد الإسلام ومعه قصيدته المعروفة في مدح النبي التي مستهلّها :
|
الم تغتمض عينك ليلة أرمدا |
|
وبتّ كما بات السليم مسهّدا |
|
وما ذاك من عشق النساء وإنّما |
|
تناسيت قبل اليوم صحبة مهددا |
[١] سنن أبي داود ج ٢ ص ١٢٨ ، مسند أحمد ج ١ ص ١٥٣ ، سنن النسائي ج ٨ ص ١٨٧ ، مستدرك الحاكم ج ٢ ص ٢٧٨ ، إلى غير ذلك من المصادر.