مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٧٢ - حفر الخندق واحداثه حول المدينة
وبينهم حجاباً فيمكنك منعهم في المطاولة ، ولا يمكنهم أن يأتوا من كل وجه ، فإنّا كنا معاشر العجم في بلاد فارس إذا باغتنا العدو نحفر خندقاً فتكون الحرب من مواضع معروفة ، فأمر رسول الله بالحفر من ناحية « اُحد » إلى « راتج » وجعل على كل عشرين خطوة وثلاثين خطوة [١] قوماً من المهاجرين يحفرونه ، فحملت المساحي والمعاول وبدأ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وأخذ معولاً فحفر في موضع المهاجرين بنفسه وأميرالمؤمنين عليهالسلام ينقل التراب من الحفرة حتى عرق رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وعيّ وقال : « لا عيش إلاّ عيش الآخرة اللّهمّ اغفر للأنصار والمهاجرة » فلمّا نظر الناس إلى رسول الله يحفر اجتهدوا في الحفر ونقل التراب فلمّا كان في اليوم الثاني بكّروا إلى الحفر ... [٢].
ومع ذلك أبطأ عن رسول الله وعن المسلمين رجال من المنافقين يستترون بالضعيف من العمل ويتسلّلون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ولا إذن ، وأمّا غيرهم من المسلمين فإذا نابته النائبة من الحاجة التي لابدّ له منها يذكر ذلك لرسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ويستأذنه في اللحوق بحاجته ، فيأذن له ، فاذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبة في الخير واحتساباً له [٣].
فخرجت قريش ومن لحق بها من أحابيشها أربعة آلاف فارس وعقدوا اللواء في دار الندوة وقادوا معهم ثمانمائة فرس ، وكان معهم من الظهر ألف وخمسمائة بعير لحمل أمتعتهم ومؤونتهم.
وأمّا من غير قريش فقد خرجت جموح من القبائل ، فبلغ القوم الذين وافوا
[١] ولعلّ في النصّ سقط ، ويحتمل أن يكون الصواب بهذا النحو : وجعل على كل عشرين خطوة قوماً من المهاجرين وعلى كل ثلاثين خطوة قوماً من الأنصار ، والوجه في ذلك كثرة عدد الأنصار وقلّة عدد المهاجرين فتأمّل.
[٢] البحار ج ٢٠ ص ٢١٨.
[٣] السيرة النبويّة لابن هشام ج ٢ ص ٢١٦.