مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٢٤ - بناء العريش ، تعليق على تغوير القلب وبناء العريش
فإنّ من يمنع من قطع الشجرة أولى بأن يمنع من طمّ القلب الّتي حفرها رجال الخير لأجل سقاية القوافل الّتي كانت تمرّ من هذا الطريق.
وقد أشار بعض أصحابه في غزوة خيبر أن يمنع جريان الماء إلى قلاع خيبر ، فأبى [١]. وقد كانت هذه سيرة وصيّة أمير المومنين فإنّه ـ صلوات الله عليه ـ ورد صفّين وقد سيطر أصحاب معاوية على الشريعة ، فمنعوا أصحاب علي من الإستقاء ، حتّى أصابهم العطش وضاق الأمر عليهم ، فلم يكن بد من فتح طريق الماء على أصحابه ، فحمل حملة خاطفة مع لفيف من أصحابه على الشريعة فأزال جيش معاوية عنها ، فلمّا إستولى عليها إقترح عليه بعض أصحابه أن يعتدي عليهم بالمثل ، فأبى ، وقال ـ مخاطباً لعسكره ـ : خذوا من الماء حاجتكم وارجعوا الى عسكركم وخلّوا بينهم وبين الماء ، فإنّ الله قد نصركم ببغيهم وظلمهم [٢].
وأمّا بناء العريش للنّبي الأكرم ، فهو بمعزل من الصّحة ، فإنّ قبوله أمام أصحابه الّذين يضحّون بنفسهم ونفيسهم يثبّط من عزائمهم ، ويخفّف من مثابرتهم ، فإنّهم إذا رأوا باُمّ أعينهم أنّ سيّدهم على حالة إذا رأى بوادر الهزيمة فسيجلس على الركائب وينجي نفسه ويترك أصحابه تحت رحمة عدوّهم ، فلربّما يشكّون في صحّة دعوته ونبوّته ، فلا يصدر مثل ذلك الاقتراح من سيد مثل سعد بن معاذ المعروف بالعقل والحنكة ، ولو صدر منه ـ على وجه بعيد ـ فلن يقبله النّبي الأكرم الّذي يصفه علي عليهالسلام بقوله : « كان أقرب الناس إلى العدوّ ، وكنّا إذا احمر البأس إتّقينا برسول الله » [٣].
[١] ناسخ التواريخ ج ٢ ص ٤٠٠.
[٢] وقعة صفّين ص ١٨٠.
[٣] نهج البلاغة : قسم غريب كلامه برقم ٩.