مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٣٥ - نزول النبي بالمدينة
فأقام رسول الله بالمدينة إذ قدمها شهر ربيع الأوّل إلى صفر من السنة التالية حتّى بنى له فيها مسجده ومساكنه ، فلم يبق دار من دور الأنصار إلاّ أسلم أهلها إلاّ حيّ من الأوس ، فإنّهم أقاموا على شركهم.
ولأجل استتباب الأمن ، واضفاء طابع الوحدة السياسية على القبائل التي تستوطن يثرب وما جاورها كتب رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم كتاباً بين المهاجرين والأنصار ، وادع فيه اليهود وعاهدهم وأقرّهم على دينهم وأموالهم وشرط لهم واشترط عليهم.
وقد نقل ابن هشام الكتاب برمّته وهو أوّل منشور سياسي أدلى به النبي إبّان نزوله بالمدينة.
ولم يكتف بذلك حتى آخى بين المهاجرين والأنصار ، فقال : تآخوا في الله أخوين أخوين ، ثمّ أخذ بيد علي بن أبي طالب ، فقال : هذا أخي ، فكان رسول الله سيّد المرسلين وإمام المتّقين ورسول رب العالمين الذي ليس له نظير من العباد وعلي بن أبي طالب عليهالسلام أخوين ، وكان حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله وعمّه وزيد بن حارثة مولى رسول الله أخوين ، وإليه أوصى حمزة يوم اُحد حين حضره القتال إن حدث به حادث الموت ، فهكذا تآخى المهاجرون والأنصار أخوين أخوين.
فلمّا إطمأنّ رسول الله بالمدينة والتفّ حوله إخوانه من المهاجرين واجتمع أمر الأنصار ، استحكم أمر الإسلام ، فقامت الصلاة وفرضت الزكاة والصيام وقامت الحدود وفرض الحلال والحرام ، وشرع الآذان [١].
ولمّا استحكمت شوكة المسلمين ظهرت من أحبار اليهود العداوة حسداً وضغناً والتحق بهم رجال من الأوس والخزرج فتظاهروا بالإسلام ، ونافقوا في السرّ وكان هواهم مع اليهود.
[١] السيرة النبويّة : ج ١ ص ٤٩٤ ـ ٥١٢.