مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦١ - الإيواء بعد اليتم
أنّه كان على خط التوحيد وعلى دين آبائه ، نقل المؤرّخون : إنّ عبد الله بن عبد المطلب أقبل من الشام في عِيرٍ لقريش فنزل بالمدينة وهو مريض ، فأقام بها حتّى توفّي ودفن في دار النابغة في الدار الصغرى إذا دخلت الدار عن يسارك ، وليس بين أصحابنا فيه اختلاف [١].
وقد مات رضياللهعنه والنبي جنين في بطن أُمّه.
وأمّا والدته فهي « آمنة بنت وهب » خرجت مع النبي وهو ابن خمس أو ستّ سنين ونزلت بالمدينة تزور أخوال جدّه ، وهم بنو عدي بن النجار ، ومعها أُمُّ أيمن فأقامت عندهم ، ولمّا خافت على ولدها من اليهود خرجت من المدينة ، فلمّا وصلت إلى الإبواء توفّيت ودفنت فيها [٢].
وبذلك ولد النبي يتيماً وعاش يتيماً وإليه يشير قوله سبحانه ويقول :
( أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ ) ؟ ( الضحى / ٦ ).
ولعلّ الحكمة في تولّده ونشوئه يتيماً أحد الأُمور التالية أو جميعها :
أ ـ إنّ هذا الطفل سيلقى عليه في مستقبل حياته قولاً ثقيلاً كما يقول سبحانه :
( إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً ) ( المزمّل / ٥ ).
وأيّ قول أثقل من هداية الأُمّة الأُمّيّة إلى معالم السعادة ، ولا يقوم بهذا العبء الثقيل إلاّ الأمثل فالأمثل من الشخصيات التي ملأ روحها الصمود والثبات ، ولا تحصل تلك الحالة إلاّ بعد تذوّق مرارة الدهور ومآسي الأيّام حتّى يقع في بوتقة الأحداث ويخرج مؤهّلاً لحمل عبء الرسالة وهداية النّاس ، وقد صار كزبر الحديد ، عركته المحن ، وحنَّكته التجارب.
ب ـ ولد يتيماً ونشأ يتيماً حتّى يقف على الوضع المأساوي السائد على الأيتام
[١] تاريخ الطبري ج ١ ص ٨.
[٢] الاتحاف للبشراوي ص ١٤٤ ، سيرة زيني دحلان ، بهامش السيرة الحلبية ج ١ ص ٥٧.