مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٥٦ - الخسارة التي تفرضها القومية
الأقوام وأمثلها ، ولأجل ذلك نرى أنّ رئيس ألمانيا ( هتلر ) في وقته دعى إلى القومية وانّ شعبه من أفضل الشعوب عقلاً وأطهرها دماً ، فأوجد في قومه نخوة كبيرة وحقداً وبغضاً لسائر الشعوب ، فنمت فيهم روح الطغيان والتوسّعية فأشعل فتيلة الحرب العالمية الثانية ، ودامت الحرب حوالي خمس سنين وتكبّد العالم البشري خسائر فادحة ، وأعطت لاطفاء نيرانها النفس والنفيس قرابة مائة مليون بين قتيل وجريح ومفقود.
وأمّا الخسائر التي تفرضها القومية على الإسلام فهي تحطّم الوحدة الإسلامية وتبدّد المجتمع الواحد إلى مجتمعات ، وتبدّل الاُخوّة إلى البغضاء فيصير المجتمع الإسلامي اُمماً متفرّقة وأشلاء مبعثرة تقع فريسة للقوى الكبرى.
ولو كان شعار القومية : نحن العرب ، نحن الفرس ، نحن الترك ، فشعار المسلم نحن حزب الله ودعاته تجمعنا عقيدة واحدة ، وهي الإعتقاد بربّ واحد ورسول خاتم وكتاب نازل وأحكام واُصول وفروع خالدة.
نحن كما يقول شاعر الاهرام حسن عبد الغني حسن :
|
إنّا لتجمعنا العقيدة اُمّة |
|
ويضمّنا دين الهدى أتباعاً |
|
ويُؤلِّف الإسلام بين قلوبنا |
|
مهما ذهبنا بالهوى أشياعاً |
وفي الختام نلفت نظر القارئ الكريم إلى أنّ الدعوة إلى القومية تختلف عن العلاقة بالأوطان التي نشأ الإنسان فيها كما تختلف عن العلاقة بالثقافات القومية والآداب والرسوم المورثة إذا لم تتعارض مع اُصول الإسلام وتعاليمه ، وهذا هو رمز تقدّم الإسلام بين الشعوب والأقوام المختلفة ، فالإسلام في مفهومه يتحمّل جميع القوميات والثقافات المحلّية ولا يفنّدها بل يعترف بالجميع شريطة أن لا تخالف المبادئ الإسلامية ، ولو كان نبيّ الإسلام صلىاللهعليهوآلهوسلم معارضاً لهذه الثقافات والرسوم والآداب لما نجح في نشر الإسلام وتربية الناس ، نعم الإعتراف بهذه الآداب والرسوم يختلف من جعلها محوراً للتفوّق وملاكاً للتصاغر.