مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٩٣ - الجهاد ضرورة حياتية
فالدين الإسلامي بحاجة ـ في بقائه ، واستمرار حياته ووجوده ـ إلى هذه الاُمور الثلاثة ، وأخصّ بالذكر الأمر الثالث.
فإنّ الإسلام ، لكونه رسالة إلهية منزلة لهداية البشريّة ، يسعى إلى تغيير العادات والتقاليد البالية ، والأوضاع الفاسدة والنظم الباطلة ... ولذلك من الطبيعي أن يواجه معارضة من يخالف هذا التغيير مصالحهم ، ويتعارض مع أهدافهم ومطامعهم ... وعندئذٍ يجب على هذا الدين أن يقوم بدفع هذه الموانع ويكتسح تلكم الحواجز ، ليمضي قدماً في اداء رسالته ، وتحقيق أهدافه.
إنّ هناك فرقاً واضحاً بين ( المذهب الفلسفي ) و ( الدين الإلهي ).
فالفيلسوف ، يكتفي ببحث الاُمور الفلسفية لمجرّد التوضيح ، أو النقد وينشر أفكاره وتحليلاته بين الناس ليقفوا عليها ويعرفوها دون أن يرىٰ إلزامهم بشيء منها.
فهو لا يهمّه سوى طرح أفكاره والدفاع عنها بقاطع البرهان ، وواضح الدليل.
وأمّا ( الدين الإلهي ) فليس مذهباً فلسفيّاً ليكتفي بمجرّد البيان والتوضيح ويحصر همّته في النقد والإشكال إنّما هو ثورة إصلاحية ، وعملية تغييريّة تهدف إلى إقامة نظام صالح عادل فوق رُكام الأنظمة الفاسدة ، والأوضاع المنحطّة.
وبديهي أنّه لا يتحقّق ذلك دون مواجهة الموانع ، وقيام الصراعات والحروب ، مع الجهات والقوى المعارضة لهذا التغيير.
فهل في العالم حركة تغييريّة إستطاعت تحقيق أهدافها دون خوض الصراعات الحامية ، ودون نشوب الحروب وسقوط الضحايا ، أو إراقة محجمة دم ؟
فهل إستطاعت ( الثورة الفرنسية ) أن تتجنّب إراقة الدماء ؟
وهل نجحت ( الثورة الروسية ) إلاّ بعد سقوط الملايين من القتلى ؟
وهل حقّقت ( الثوره الهندية ) أهدافها إلاّ عبر المئات من القرابين البشرية ؟
نعم إنّ ما يفترق به ( الجهاد الإسلامي ) عن الحروب الاُخرى التي تفرضها