مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٦٢ - نكوص المنافقين عن القتال
وسلم ) أم لم يأذن ، لكن صلىاللهعليهوآلهوسلم بإذنه حفظ مكانته ومنزلته بين المسلمين.
نعم ، إنّه صلىاللهعليهوآلهوسلم بإذنه فوّت مصلحة اُخرىٰ وهو التعرّف على المؤمن وتمييزه عن المنافق ، وتمحيص المطيع عن المتمرّد ولولاه لم يعرف الصديق من العدو عاجلاً.
وليس لحن الآية في مجال تفويت هذه المصلحة لحن العتاب والإعتراض ، بل اُسلوبه اُسلوب عطف وحنان ، وأشبه بإعتراض الولي الحميم على الصديق الوفي ، إذا عامل عدوّه الغاشم بمرونة ولينة ، فيقول بلسان الإعتراض : « لماذا أذنت له ولم تقابله بخشونة حتّى تعرف عدوّك من صديقك ومن وفي لك ممّن خانك. على أنّه وإن فات النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم معرفة المنافق من هذا الطريق لكنّه لم يفته معرفته من طريق آخر ، صرّح به القرآن في غير هذا المورد ، فإن النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم كان يعرف المنافق وغيره من المؤمن من طريقين آخرين.
١ ـ كيفيّة الكلام ، ويعبّر عنه القرآن بلحن القول وذلك إنّ الخائن مهما أصرّ على كتمان خيانته ، تظهر بوادرها في ثنايا كلامه ، قال أمير المؤمنين عليهالسلام : « ما أضمر أحد شيئاً إلاّ ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه » وفي ذلك يقول سبحانه : ( وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ ) ( محمد / ٣٠ ).
٢ ـ التعرّف عليهم بتعليم منه سبحانه ، قال : ( مَّا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَٰكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ ) ( آل عمران / ١٧٩ ) والدقّة في الآية تفيد بأنّ الله سبحانه يجتبي من رسله من يشاء ويطلعه على الغيب ، ويعرف من هذا الطريق الخبيث ويميّزه عن الطيّب.
وعلى ذلك فلم يفت النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم شيء وإن فاتته