مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٦٢ - على أعتاب الردّة
أفبعد هذا يصحّ لنا القول بأنّ كلّ صحابي عادل ؟!! وانّ العدل والصحبة متلازمان كلا ومن يذهب إليه فإنّما يجترئ عظيماً.
والذي يعرب عن أنّ بعضهم قد بلغ به الحال إلى المشارفة على أعتاب الرّدة قوله سبحانه : ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا ) ( آل عمران / ١٤٤ ).
قال أنس بن النضر : في السّاعة التي زاغت فيها الأبصار والبصائر وبلغت القلوب فيها الحناجر ، وحين فشا في النّاس أنّ رسول الله قد قتل ، وقال بعض ضعفاء المؤمنين ليت لنا رسولاً إلى عبد الله بن اُبي فيأخذ لنا أماناً من أبي سفيان [١] وقال ناس من أهل النّفاق : إن كان محمد قد قتل فالحقوا بدينكم الأوّل. قال أنس : إن كان محمد قد قتل فإنّ ربّ محمّد لم يقتل ، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ فقاتلوا على ما قاتل عليه وموتوا على ما مات عليه ، ثمّ قال : اللّهم إنّي أعتذر إليك ممّا قال هؤلاء ، وأبرأُ إليك ممّا جاء به هؤلاء ، ثمَّ شدّ بسيفه فقاتل حتّى قتل رضياللهعنه ، كما مرّ [٢].
فمحصّل معنى الآية على ما فيها من سياق العتاب والتوبيخ : إنّ محمّداً صلىاللهعليهوآلهوسلم ليس إلاّ رسولاً من الله مثل سائر الرّسل ليس شأنه إلاّ تبليغ رسالة ربّه لا يملك من الأمر شيئاً ، وإنّما الأمر لله والدين دينه باق ببقائه ، فما معنى اتّكاء إيمانكم على حياته ، حيث يظهر منكم أنّ لو مات أو قتل تركتم القيام بالدين ورجعتم إلى أعقابكم القهقري واتّخذتم الغواية بعد الهداية ؟
وهذا السياق أقوى شاهد على أنّهم ظنّوا يوم أُحد بعد أن حمى الوطيس انّ النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم قد قتل فانسلّوا عند ذلك وتولّوا عن القتال.
[١] مجمع البيان : ج ١ ص ٥١٣.
[٢] لاحظ ص ٣٣٢.