مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٦١ - على أعتاب الردّة
بقولهم : ( لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا ).
والله سبحانه يجيب عليها :
١ ـ بأنّ أمر النصر بيد الله كما أخبر به النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم ولكنّه مرهون بعوامل وأسباب غيبيّة واُخرى اكتسابيّة خاصّة ، وأنتم أيّها المعترضون قد فوّتم تحصيل تلك الأسباب والعوامل ، فلا يحق لكم الاعتراض بعد تقصيركم.
٢ ـ بأنّ لكل نفس أجلاً محدّداً لا يتقدّم عليه ولا يتأخّر.
٣ ـ إنّ في هذه النكسة الفادحة تمحيص لما في الصدور والقلوب فقد تميّز به المؤمن المثابر من المتظاهر بالإيمان ، وبذلك يعلم أنّ القول بأنّ الصحبة كافية في تحقيق إتّصاف الرجل بالعدالة والنزاهة والإستقامة شيء لا حقيقة له ولا أساس وقد تحقّق لديك بفضل هذه الآيات أنّ أصحاب النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم إنقسموا إلى طوائف : فمن منافق نكص على عقبيه في أثناء الطريق ولم يشترك في القتال وتذرّع بقولهم : ( لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ ) ( آل عمران / ١٦٧ ).
ومن مؤمن كابر أمر الرسول وخرج عن طاعته وأخلى ساحة القتال ولكنّه لم تنتابه وتعتريه شبهات وظنون أهل الجاهليّة ، فتاب ورجع إلى النبيّ بعد جلاء المعركة وهم من مصاديق قوله سبحانه : ( إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ) ( الأعراف / ٢٠١ ).
ومن متظاهر بالإيمان لم يتمكّن الإيمان من قلبه حقّ التمكّن ، فلمّا حاق به البلاء ورأى الانتكاسة المروّعة الرهيبة ، ارتدّ القهقري وصار يتفوّه بمقولات أهل الشرك والجاهلية.
أضف إلى ذلك ، الطائفة الثالثة الذين رجعوا أثناء الطريق ولم يساهموا النبيّ والمسلمين ، وهؤلاء هم أتباع عبد الله بن اُبيّ المنافقون.