مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٤٦ - عودة المنافقين القهقرى إلى المدينة
حضير ، فقالا للنّاس : قلتم لرسول الله ما قلتم ، واستكرهتموه على الخروج ، فردّوا الأمر إليه ، فما أمركم فافعلوه ، فبينا القوم على ذلك ، إذ خرج رسول الله قد لبس لامّته ودرعه ، وحزم وسطها بمنطقة من حمائل سيف من أدم ، فقالوا يا رسول الله : استكرهناك ، ولم يكن ذلك لنا ، فإن شئت فاقعد صلّى الله عليك ، فقال رسول الله : ما ينبغى لنبيّ إذا لبس لامّته أن يضعها حتّى يقاتل ، فخرج في ألف من أصحابه [١].
عودة المنافقين القهقرى إلى المدينة :كان عبد الله بن اُبيّ ممّن أبدى الإصرار على الإقامة في المدينة والتحصّن بها فلمّا رأى أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ترك رأيه وأخذ برأي الآخرين ، فقال : أطاعهم وعصاني ، ما ندري علام نقتل أنفسنا ها هنا ، فرجع بمن اتّبعه من قومه من أهل النفاق والريب ، وهم ثلث النّاس ، واتّبعهم عبد الله بن عمرو ، فقال : ياقوم اُذكّركم الله ألاّ تخذلوا قومكم ونبيّكم عندما حضر من عدوّهم ؛ قال عبد الله بن اُبىّ : لو نعلم أنّكم تقاتلون لما أسلمناكم ، ولكنّا لا نرى أنّه يكون قتال.
فلمّا استعصوا عليه وأبوا إلاّ الإنصراف عنهم ، قال : أبعدكم الله أعداء الله ، فسيغني الله عنكم نبيّه.
وفي ذلك نزل قوله سبحانه : ( وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالا لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ ) ( آل عمران / ١٦٧ ).
وقد أوجد رجوع رئيس النفاق في أثناء الطريق شقاقاً وخلافاً بين أصحاب النّبي صلىاللهعليهوآلهوسلم على نحوين :
١ ـ فقال قوم من المسلمين : نقاتل قريشاً ، وقال آخرون : لا نقاتلهم ، وفي ذلك نزل قوله سبحانه ( فَمَا لَكُمْ فِي المُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ
[١] المغازي للواقدي ، ج ١ ص ٢١٣ ، والسيرة النبويّة ج ٢ ص ٦٣.