مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٤٠ - أخذ الأسرى قبل الدعم والإستقرار
عدم استقرار الإسلام في المنطقة كما كان الحال كذلك في السنوات الاُولى قبل غزوة الأحزاب ، وأمّا بعدها فقد علا أمر النّبي واستقرّ ، فلم تكن حاجة إلى قتل الأسرى ، بل كان السائد هو ما ورد في سورة محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم من إطلاق سراحهم منّاً عليهم ، أو أخذ الفدية منهم.
بل الظروف في غزوة واحدة كانت مختلفة ، فربّما تسود في السّاعات الاُولى من الحرب حالة عدم الاستقرار والتزلزل ، ومظنّة رجوع العدو ثانياً بعد إطلاق سراحه ، فلا يؤخذ الأسرىٰ ، والحال إنّ الحالات الأخيرة من الحرب كانت على عكس ذلك ، فلم يكن أيّة مظنّة للكرّة ، فيختصّ قتل الأسرى في غزوة واحدة بالسّاعات الاُولى أي ساعات عدم الإستقرار ، ومظنّة الكرة لا الساعات الأخيرة.
ثُمَّ إنّ الآية الثانية أعني قوله : ( لَّوْلا كِتَابٌ مِّنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) يعرب عن عظم المعصية ، أعني أخذ الأسرى قبل الاثخان في الأرض لما فيه من مظنّة زوال الإسلام وكيانه.
كيف ولولا كتاب سابق لمسّ المسلمين ، أو المصرّين على الأخذ عذاب عظيم. وأمّا ما هو هذا الكتاب الّذي سبق ، فقد اُبهم غاية الابهام ، لأنّه أنسب في مقام المعاتبة ليذهب ذهن السامع كل مذهب ممكن ، ولا يتعيّن عنده ، فيهون عنده الأمر. ومن رديء الكلام ما مرّ في غير واحد من التفاسير : قال رسول الله : « إن كاد ليمسّنا في خلاف ابن الخطّاب ( حيث كان يقترح القتل خلاف الباقين حيث كانوا يقترحون الأخذ ) عذاب عظيم ، ولو نزل العذاب ما أفلت إلاّ عمر ».
ومعناه شمول العذاب ، للرّسول الأعظم ، وقد سبق من المراغي وغيره : إنّ العتاب عام يعمّ المسلمين والنّبي الأكرم ، مع أنّه سبحانه يقول : ( وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ) ( الأنفال / ٣٣ ).
فالّذي يدفع بوجوده العذاب ، صار يُدفع عنه العذاب بوجود غيره. ( كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ) ( الكهف / ٥ ).