مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣١٨ - ١ ـ غزوة بدر
يوقف قريشاً على خطورة ما يفعلون ، وأنهّم إذا تمادوا في أعمالهم الإجراميّة في مكّة ، فسوف يقوم المسلمون بقيادة نبيّهم ، بسد منافذ تجارتهم ومصادرة قوافلهم.
فخرج رسول الله في ثمان ليال خلون من شهر رمضان واستعمل عمرو بن اُم مكتوم على الصلاة بالناس ، وردّ أبا لبابة من الروحاء واستعمله على المدينة ، فسلك طريقه من المدينة ـ وبعد ما قطع منازل ـ نزل على واد يقال له « ذفران ». وكان أبوسفيان حين دنا من الحجاز يتحسّس الأخبار ويسأل من لقى من الركبان حتّى أصاب خبراً من بعضهم أنّ النّبي قد استنفر أصحابه قاصداً إيّاه وعيره ، فحذر عند ذلك ، فاستأجر « ضمضم بن عمرو الغفاري » فبعثه إلى مكّة وأمره أن يأتي قريشاً فيستنفرهم إلى أموالهم ، ويخبرهم أنّ محمّداً قد عرض لها في أصحابه ، فخرج « ضمضم بن عمرو » سريعاً إلى مكّة ، ودخل وهو يصرخ ببطن الوادي واقفاً على بعيره ، وقد جدع بعيره ، وحوّل رحله ، وشقّ قميصه ، وهو يقول :
« يا معشر قريش ، اللطيمة ، اللطيمة ، أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه ، لا أرى أن تدركوها ، الغوث ، الغوث ».
فتجهّز الناس سراعاً وقالوا : أيظن محمد واصحابه أن تكون ( عيرنا ) كعير ابن الحضري ، كلاّ والله ، ليعلمنّ غير ذلك ، فكانوا بين رجلين أمّا خارج وأمّا باعث مكانه رجلاً. وأوعبت قريش ، فخرجوا كلّهم إلى الغزو ، فلم يتخلّف من أشرافها إلاّ أبا لهب فبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة.
أقبل أبوسفيان بن حرب ، وتقدّم العير حذراً ، حتّى ورد الماء ، فقال ل « مجدي بن عمرو » : هل أحسست أحداً. فقال : ما رأيت أحداً أنكره ، إلاّ إنّي قد رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل ، ثم استقيا في شن [١] لهما ، ثم انطلقا ، فأتى أبوسفيان مناخهما ، فأخذ من أبعار بعيريهما ، ففتَّه فإذا فيه النوى ، فقال : هذه والله علائف يثرب ، فرجع إلى أصحابه سريعاً ، فضرب وجه عيره عن الطريق وأخذ بها جهة
[١] أي قربة ، وهي آلة حمل الماء.