مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٨٣ - الدعوة إلى المباهلة
تعريض أعزّته وأفلاذ كبده وأحبّ الناس إليه لذلك ، ولم يقتصر على تعريض نفسه له وعلى ثقته بكذب خصمه حتّى يهلك خصمه مع أحبّته وأعزّته هلاك الإستئصال إن تمّت المباهلة. وخصّ الأبناء والنساء لأنّهم أعزّ الأهل وألصقهم بالقلوب ، وربّما فداهم الرجل بنفسه ، وحارب دونهم حتّى يقتل ، ومن ثمّ كانوا يسوقون مع أنفسهم الظعائن في الحروب لتمنعهم من الهرب ، ويسمّون الذادة عنهم بأرواحهم : « حماة الحقائق » وقدّمهم في الذكر على الأنفس ( في الآية ) لينبّه على لطف مكانهم ، وقرب منزلتهم وليؤذن بأنّهم مقدّمون على الأنفس مفدون بها ، وفيه دليل لا شيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء عليهمالسلام وفيه برهان واضح على صحّة نبوّة النبيّ لأنّه لم يرو أحد من موافق ولا مخالف أنّهم أجابوا إلى ذلك [١].
ومن أمعن فيما ورد من سبب النزول وشرحه في كتب الحديث والتفسير يقف على مكرمة وفضيلة عظيمة لأهل البيت عليهمالسلام في تلك الحادثة ، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى كتاب « الكلمة الغرّاء في تفضيل الزهراء » للسيّد شرف الدين ( ص ١٩٧ ـ ٢٠٣ ).
وهناك نكتة اُخرى نقلها الرازي عن بعض معاصريه من الشيعة ولم يناقش في كلامه مع غرامه بنقض المحكمات وهيامه في التشكيكات والشبهات ، قال :
كان في الري رجل يقال له محمود بن الحسن الحمصي وكان معلّم الإثنى عشرية وكان يزعم أنّ عليّاً رضياللهعنه أفضل من جميع الأنبياء سوى محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم واستدلّ على ذلك بقوله تعالى : ( وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ) إذ ليس المراد بقوله ( وَأَنفُسَنَا ) نفس محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم لأنّ الإنسان لا يدعو نفسه بل المراد غيرها ، وأجمعوا على أنّ ذلك الغير كان علي بن أبي طالب (رض) فدلّت الآية على أنّ « نفس علي » هي محمد ، ولا يمكن أن يكون المراد إنّ هذه النفس هي عين تلك ، فالمراد إنّ هذه النفس مثل تلك النفس ، وذلك
[١] الكشاف : ج ١ ص ٣٢٧.