مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٨٢ - الدعوة إلى المباهلة
النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم قد أقبل بمن معه ، سأل عنهم ، فقيل له : هذا ابن عمّه وزوج ابنته وأحبّ الخلق إليه وهذان ابنا بنته من علي عليهالسلام وهذه الجارية بنته فاطمة ، أعزّ الناس عليه وأقربهم إلى قلبه ، وتقدّم رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فجثا على ركبتيه.
قال أبو الحارثة الأسقف : جثا والله كما جثا الأنبياء للمباهلة ، فسكع ولم يقدم على المباهلة ، فقال السيّد : إدن يا أبا حارثة للمباهلة ، فقال : لا ، إنّي لأرى رجلاً جريئاً على المباهلة وأنا أخاف أن يكون صادقاً ولئن كان صادقاً لم يحل والله علينا الحول وفي الدنيا نصراني يطعم الماء ، فقال الأسقف : يا أبا القاسم إنّا لا نباهلك ولكن نصالحك فصالحنا على ما ينهض به ، فصالحهم رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم على ألفي حلّة من حلل الأواقي قسمة كل حلّة أربعون درهماً فما زاد ونقص فعلى حساب ذلك ، وعلى عارية ثلاثين درعاً ، وثلاثين رمحاً ، وثلاثين فرساً إن كان باليمن كيد ، ورسول الله ضامن حتّى يؤديها وكتب لهم بذلك كتاباً.
وروي أنّ الأسقف قال لهم : إنّي لأرى وجوهاً لو سألوا الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله ، فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة ، وقال النبيّ : والذي نفسي بيده لو لاعنوني لمسخوا قردة وخنازير ، ولاضطرم الوادي عليهم ناراً ، ولما حال الحول على النصارى حتى يهلكوا كلّهم ، قالوا : فلمّا رجع وفد نجران ، لم يلبث السيّد والعاقب إلاّ يسيراً ، حتّى رجعا إلى النبيّ ، وأهدى العاقب له حلّة وعصا وقدحاً ونعلين وأسلما [١].
وهناك كلمة قيّمة للزمخشري يقول فيها :
فإن قلت : ما كان دعاؤه إلى المباهلة إلاّ لتبيّن الكاذب منه ومن خصمه وذلك أمر يختصّ به وبمن يكاذبه فما معنى ضم الأبناء والنساء ؟
قلت : ذلك آكد في الدلالة على ثقته بحاله واستيقانه بصدقه حيث تجرّأ على
[١] مجمع البيان : ج ٢ ص ٧٦٢ و ٧٦٣ ( طبع بيروت ).