مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢١٣ - عروجه إلى السماء
الأكرم وأنّ المرادنا منه سبحانه وهو ممّا لا يساعد عليه سياق الآيات.
ب ـ إنّ الكاتب الإنگليزي « جان. ديون. بورت » فسّر قوله ( دَنَا فَتَدَلَّىٰ ) بأنّ النبي استجاز ربّه للحضور عنده ، فقرب منه إلى حدّ لم يبق بينه وبين ربّه إلاّ قاب قوسين ، وهو غلط كما أوضحناه. أضف إلى ذلك : إنّ هذا القسم من الآيات لا يمتّ إلى حديث المعراج بصلة ، وإنّما هو بصدد بيان حادثة بدء الدعوة ولم يكن هناك يومئذ معراج من النبيّ حتى يستأذن للحضور عند ربّه ، ومنشأ الإشتباه مضافاً إلى ذلك هو إرجاع الضميرين في دنا فتدلّى إلى النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم.
ج ـ إنّ بعض المستشرقين يذكر في تفسير الآيات : إنّ النبي قرب من الله سبحانه حتى سمع صرير قلمه ووقف على أنّه سبحانه مهتمّ بصيانة حساب عباده ، سمع صرير قلمه ولم ير شخصه ، كل ذلك خلط وخبط ، يفعلون ذلك على الرغم من أنّهم غير متضلّعين في اللغة العربيّة وأساليبها وقواعدها وأسرارها وفي القرآن الكريم وإشاراته ونكاته ، ثمّ يكتبون عن النبي والإسلام والقرآن كل شيء دعتهم إليه أغراضهم ولا علم لهم بشيء منها إلاّ ما لا يلتفت إليه.
إذا وقفت على مفاد الطائفة الاُولى من الآيات نعرج بك على تفسير الطائفة الثانية التي وردت في معراج النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وإنّما جاءت بعد الطائفة الاُولى لصلة تامّة بينهما وهو التركيز على أنّ النبي رأى جبرئيل على صورته الواقعيّة في كلتا المرحلتين ، اُولاهما بدء الدعوة حيث رآه بالاُفق الأعلى ، وثانيهما عند المعراج إذ رآه عند سدرة المنتهى التي عندها جنّة المأوى ، ويؤكّد على أنّ الرؤية كانت رؤية صادقة غير خاطئة ، فيركّز على صدق الرؤية في ضمن الطائفة الاُولى بقوله : ( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ ) وفي ضمن الطائفة الثانية بقوله : ( مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ ) وأنّ الرؤية رؤية واقعيّة غير مشوبة بالزيغ والخطأ ، ثمّ قال سبحانه :
١٣ ـ ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ ) النزلة بناء مرة من النزول فمعناه نزول واحد ، فتدلّ الآية على أنّ هذه قصّة رؤية في نزول آخر ، والآيات السابقة تحكي نزولاً آخر ، ولأجل