مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٠٥ - معراج النبي الأكرم
اسمه عمّا لا يليق به من الصفات ، وقد يراد به التعجيب ، ولكن الظاهر هو الأوّل.
ولعلّ الوجه في إبتدائها بالتنزيه هو التصريح بتنزيهه سبحانه عن العجز لما سيذكر بعده من الإسراء بعبده من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى في فترة زمنية قصيرة ، ويمكن أن يكون الوجه إرادة تنزيهه سبحانه عن التجسيم والجهة والرؤية وكل ما لا يليق بعزّ جلاله وصفات كماله ، حتّى لا يتوهّم متوهّم أنّ المقصود من المعراج هو رؤية الله تبارك وتعالى في ملكوت عرشه وجبروت سلطانه ، والأوّل أقرب.
٢ ـ الإسراء لغة هو السير في الليل. يقال : سرى بالليل وأسرى بمعنىً ، وأمّا الإتيان بلفظة « ليلاً » مع الإستغناء عنه فيأتي وجهه.
٣ ـ قوله « بعبده » يدل على أنّ الإسراء كان بمجموع الروح والجسد يقظة لا مناماً ولم يطلق العبد في القرآن إلاّ على المجموع منهما. قال سبحانه : ( الحُرُّ بِالحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ ) ( البقرة / ١٧٨ ) ، وقال سبحانه : ( وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ ) ( البقرة / ٢٢١ ).
إلى غير ذلك من الآيات التي ورد فيها لفظ العبد والتي تناهز ٢٨ آية ، ويؤيّد ذلك أنّه سبحانه ابتدأ السورة بالتنزيه فقال : ( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ ... ) خصوصاً إذا قلنا بأنّه للتعجّب فإنّه يكون في الاُمور العظام الخارقة للعادة ، ولو كان الإسراء بمجرّد الروح ، مناماً لم يكن فيه كبير شأن ولم يكن مستعظماً ، وما ورد في المقام من الروايات المنتهية إلى أمثال معاوية ابن أبي سفيان بأنّه قال : كان رؤيا من الله صادقة ، مرفوض فإنّ معاوية يومئذٍ كان من المشركين لا يقبل خبره في مثل هذا ، ومثله ما روي عن عائشة زوجة النبي بأنّه قال : ما فقد جسد رسول الله ولكن اُسري بروحه ، فإنّ عائشة يومئذٍ كانت صغيرة ولم تكن زوجة رسول الله ، بل لم تولد بعد على إحتمال ، وهناك كلام لأبي جعفر الطبري في تفسيره نقتطف منه ما يلي :
« الصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال : إنّ الله أسرى بعبده محمد ( صلّى