مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٩٦ - تحليل سند الرواية
وقال القاضي عياض : إنّ هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحّة ولا رواه ثقة بسنده سليم متصل ، وإنّما أولع به المفسّرون ، والمؤرّخون ، المولعون بكل غريب ، والمتلقّفون من الصحف كل صحيح وسقيم ، وصدق القاضي بكر بن العلا المالكي حيث قال : لقد بلي الناس ببعض أهل الأهواء والتفسير ، وتعلّق بذلك الملحدون مع ضعف نقلته ، واضطراب رواياته ، وانقطاع أسناده واختلاف كلماته [١].
وقال أمين الإسلام الطبرسي : أمّا الأحاديث المروية في هذا الباب فهي مطعونة ومضعّفة عند أصحاب الحديث ، وقد تضمّنت ما ينزّه الرسل عنه ، فكيف يجوز ذلك على النبي وقد قال سبحانه : ( كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ) وقال : ( سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَىٰ ).
وأقصى ما يمكن أن يقال : إنّ النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم لما تلا سورة والنجم وبلغ إلى قوله : ( أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّىٰ * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَىٰ ) علمت قريش من عادته أنّه كان يعيبها ، قال بعض الحاضرين من الكافرين : ( تِلْكَ الغَرَانِيقُ العُلَى ) فظنّ الجهال أن ذلك من قول النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم [٢].
وقال السيّد الطباطبائي : إنّ الأدلّة القطعية على عصمته تكذّب متنها ، وإن فرضت صحّة سندها ، فمن الواجب تنزيه ساحته المقدّسة عن مثل هذه الخطيئة ، مضافاً إلى أنّ الرواية تنسب إليه أشنع الجهل وأقبحه فقد تلا « تِلْكَ الغَرَانِيقُ العُلَى وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجَى » وجهل أنّه ليس من كلام الله ، ولانزل به جبرئيل ، وجهل أنّه كفر صريح يوجب الإرتداد ، ودام على جهله ، حتى سجد وسجدوا في آخر السورة ، ولم يتنبّه ثمّ دام على جهله حتى نزل عليه جبرئيل ، وأمره أن يعرض عليه السورة فقرأها عليه وأعاد الجملتين وهو مصرّ على جهله ، حتى أنكره عليه جبرئيل ، ثمّ أنزل عليه آية تثبت نظير هذا الجهل الشنيع والخطيئة الفاضحة لجميع الأنبياء
[١] الشفاء ج ٢ ص ١٢٦.
[٢] الطبرسي مجمع البيان ج ٤ ص ٦١ و ٦٢.