مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٨٧ - المضطهدون في صدر البعثة
يروي أبو نعيم عن عثمان بن عفان قال : لقيت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم بالبطحاء فأخذ بيدي فانطلقت معه ، فمرّ بعمّار واُمّ عمار وهم يعذّبون ، فقال : صبراً آل ياسر فإنّ مصيركم إلى الجنّة.
وروى أيضاً عن مجاهد : أوّل من أظهر الإسلام سبعة ، فعدّ منهم عمّار وسميّة ـ اُمّ عمّار ـ.
وكانوا يلبسونهم أدراع الحديد ثمّ يسحبونهم في الشمس فبلغ منهم الجهد ما شاء الله أن يبلغ من حر الحديد والشمس ، فلمّا كان من العشيّ أتاهم أبوجهل ـ لعنه الله ـ ومعه حربة فجعل يشتمهم ويوبّخهم [١].
ثمّ إنّ المشركين أصابوا عمّار بن ياسر فعذّبوه ثمّ تركوه ( لأنّه أعطاهم ما يطلبون ) فرجع إلى رسول الله فحدّثه بالذي لقي من قريش.
وفي رواية : أخذ بنو المغيرة فغطّوه في بئر ميمون وقالوا : اكفر بمحمد ، فتابعهم على ذلك وقلبه كاره.
وفي رواية ثالثة : أخذ المشركون عمّار بن ياسر فعذّبوه حتى باراهم في بعض ما أرادوا ، فشكى ذلك إلى النبي ، فقال النبي : كيف تجد قلبك ؟ قال : مطمئناً بالإيمان ، فقال النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم : فإن عادوا فعد ، فنزل قوله سبحانه : ( مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) ( النحل / ١٠٦ ).
فأخبر الله سبحانه أنّه من كفر بعد إيمانه فعليه غضب من الله وله عذاب أليم ، وأمّا من أكره وتكلّم بها لسانه وخالفه قلبه بالإيمان لينجو بذلك من عدوّه فلا حرج عليه ، لأنّ الله سبحانه إنّما يأخذ العباد بما عقدت عليه قلوبهم [٢].
[١] حلية الأولياء : ج ١ ص ١٤٠.
[٢] تفسير الطبري : الجزء ١٤ ، ص ١٢٢.