مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٧٥ - الاقتراحات الباطلة لقبول الرسالة ، التشريك في العبادة
صلىاللهعليهوآلهوسلم إلى المسجد الحرام وفيه الملأ من قريش ، فقام على رؤوسهم ، ثمّ قرأ عليهم حتى فرغ من السورة فأيسوا عند ذلك ، فآذوه وآذوا أصحابه ، قال ابن عباس : وفيهم نزل قوله : ( قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الجَاهِلُونَ ) ( الزمر / ٦٤ ) [١].
وروى أبو حفص الصائغ عن جعفر بن محمد عليهماالسلام قالوا : نعبد إلهك سنة وتعبد إلهنا سنة ، فأنزل الله عليه : ( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ... ) [٢].
نظراً لابتعاد هؤلاء عن النبوّة والأنبياء يخالون أنّ برامج الأنبياء في رسالاتهم برامج بشرية يسوغ لهم المساومة فيها وإبداء التنازلات عنها ، ولأجل ذلك نزل الوحي رادّاً على تلك الفكرة الخاطئة وقال : ( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ).
إنّ الدعوة إلى التوحيد في العبادة ورفض عبادة الغير هو الحجر الأساس الذي تهدف إليه الدعوة الإلهية المتمثّلة في رسالات الأنبياء ، ولم يبعث نبي قط إلاّ وكان هذا هو المحور المهمّ في صلب دعوته ، فكيف يخوّل له التنازل عن هذا الأصل الأصيل. قال سبحانه : ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ) ( النحل / ٣٦ ).
ويعرب أيضاً عن وجود مثل هذا الاقتراح قوله سبحانه : ( وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً * وَلَوْلا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً * إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الحَيَاةِ وَضِعْفَ المَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ) ( الأسراء / ٧٣ ـ ٧٥ ).
هذه الآيات تفصح عن شدة مكر المشركين وتماديهم في إنكار التوحيد حيث
[١] مجمع البيان : ج ٥ ، ص ٢٥٢.
[٢] السيرة النبويّة لابن هشام : ج ١ ص ٣٦٢ ، بحار الأنوار : ج ٧ ص ٢٣٩.