مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٥٤ - الرسالة الإلهيّة فوق طاقة البشر
أوّلاً : المسانخة والمماثلة أساس ترتكز عليه القيادة ، فلو عدمت لانتّفت الغاية المنشودة ، فإنّ القائد إذا كان مشاكلاً للمقود يكون واقفاً على حدود طاقات المرسل إليهم وغرائزهم وطبائعهم وميولهم ، فيبادر إلى معالجة ما يعانونه من تخلّف وجهل وانحطاط كما يقوم بتنمية طاقاتهم واستعداداتهم في مجالي المادة والمعنى ، إذ يحسّ منهم ما يحسّ من نفسه ، فأين طبيعة الملك من فطرة الإنسان ، فالملك مخلوق على نمط خاص لا يحيد عنه فلا يتمكّن من العصيان ، وأمّا البشر فقد خلق مخيّراً بين الطاعة والمخالفة إن شاء إمتثل وآمن ، وإن شاء إرتدّ وكفر.
وبعبارة ثانية : إنّ الإنسان جبل على غرائز متضادّة سائدة عليه ، ففيه الشهوة والغضب وهما من الميول السفلية في كيان ذاته ، كما فيه الميول العلوية التي تجرّه إلى الخير والإحسان والتجافي عن الطبيعة والتوجّه إلى ما وراءها ، فالإنسان المثالي هو من يقوم بتعديل تلك الفطريّات المتضادّة ، وامّا الملك فقد جبل على سلوك الخير والطاعة ، فلا يقدر على الخلاف والعصيان ، فهل يدرك هذا الموجود المفارق موقف الإنسان الذي خلق هلوعاً.
وثانياً : إنّ القائد كما يهدي بكلامه ومقاله ، يهدي بفعله وعمله ، فهو قدوة في مجالي القول والعمل ، والدعوة بالفعل أرسخ في القلوب من الدعوة بالقول ، وهذا يقتضي وجود السنخية بين الرسول والمرسل إليهم حتّى يكون الرسول في الغرائز الباعثة إلى الشرّ والعصيان ، مثل المرسل إليهم في ذلك المجال ، وبالتالي يكون سلوكه طريق الخير والصلاح حجّة على المرسل إليهم ، ولولا السنخيّة لما تمّت الحجّة وبقى مجال للإعتراض.
وإلى بعض ما ذكرنا يمكن أن يشير قوله سبحانه : ( وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوا أَبَعَثَ اللهُ بَشَرًا رَّسُولاً * قُل لَّوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولاً ) ( الأسراء / ٩٤ و ٩٥ ) أي لو وجد