الحاكمية في الإسلام - الخلخالي، السيد محمد مهدي - الصفحة ٤٤١ - و الخلاصة
و لا يشاهد وجود دليل معتبر [١] في الكتاب و السنة، و على هذا فإن نفوذ حكم
[١] نفي اعتبار قاضي التحكيم وجهة نظر شخصية و قد اختار بعض العلماء مثل صاحب الجواهر هذا القول أيضا، ففي كتاب الجواهر (٤٠: ٢٦) بعد أن ردّ استدلال القائلين باعتبار قاضي التحكيم؛ «و بذلك ظهر لك أنّ ما ذكره العامة من مشروعية قاضي التحكيم فضلا عمّا ذكروه من الفروع التي سمعتها يشكل انطباقه على أصولنا، و إن ذكرها الأصحاب الذين هم أدرى منا بكيفية تطبيق ذلك».
و هكذا اعتمد المحقق العراقي في كتاب القضاء على الاجماع فحسب، و لكن لحن كلامه لا يخلو عن إظهار الترديد، و الشك.
فإنّ مشهور علماء الشيعة يقولون باعتبار قضاء و حكم قاضي التحكيم، بل ادّعوا الاجماع على ذلك أيضا و إن كان الاجماع لا يتحقق بنقل أقوال الآخرين.
و لقد استدل القائلون باعتبار قاضي التحكيم على النحو التالي:
١- باطلاق الآيات القرآنية الكريمة التي تشمل قاضي التحكيم أيضا:
مثل قوله- تعالى-: «وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الظّٰالِمُونَ» (سورة المائدة: ٤٥).
و قوله- تعالى-: «إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمٰانٰاتِ إِلىٰ أَهْلِهٰا وَ إِذٰا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّٰاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ» (سورة النساء: ٥٨).
فيستفاد من هاتين الآيتين أنه يحق لعموم الأفراد التصدي للقضاء، شريطة أن يحكموا بالعدل، و لا يجوروا.
و في كتاب الجواهر (٤٠: ٣٥) نسب الاستدلال بهذه الآيات إلى كاشف اللثام.
و يجاب عن هذا:
أوّلا بأنّ هذه الآيات و أمثالها بصدد بيان شرائط الحكم لا شرائط الحاكم، و على هذا فلا إطلاق لهذه الآيات من جهة مواصفات الحاكم و شرائطه ليمكن إثبات حقّ القضاء لعموم الناس حتى غير الفقيه، أو غير الرجل، أو غير العادل و أمثال ذلك من شرائط القاضي، و المحقق العراقي (في كتاب القضاء: ١٢) قد أشكل في الإطلاق المزبور أيضا.
و ثانيا إذا ثبت مثل هذا الإطلاق يجب تقييده بقيد الفقاهة بأحاديث مثل صحيحة أبي خديجة و مقبولة عمر بن حنظلة المذكورتين في متن هذا الكتاب في الصفحة ٣٩٢ و ٣٩٣-
- و مع شرط الفقاهة ينقلب قاضي التحكيم إلى القاضي المنصوب، و لا يبقى أي اعتبار لقاضي التحكيم من دون الفقاهة، لأن مفاد هذه الأحاديث و آيات من القرآن الكريم مثل قوله- تعالى-:
«فَلٰا وَ رَبِّكَ لٰا يُؤْمِنُونَ حَتّٰى يُحَكِّمُوكَ فِيمٰا شَجَرَ بَيْنَهُمْ»، و قوله- تعالى-: «فَإِنْ تَنٰازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّٰهِ وَ الرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ» (سورة النساء: ٦٥ و ٥٩) هو أنّ حق القضاء مخصوص بأولياء الأمور: رسول اللّه و خلفائه و أوصيائه الذين عن طريقهم و بواسطتهم يفوّض هذا المقام إلى غيرهم، و ليس لأحد حق القضاء مستقلا، و من جملة هؤلاء الذين لا يحق لهم القضاء قاضي التحكيم الذي لا يشرّع قضاؤه دون اتصافه بالفقاهة، و إن رضى به الخصمان.
٢- صحيحة أبي خديجة سالم بن مكرم (المذكور في المتن، الصفحة ٣٩٣ من كتابنا هذا) و صحيحة الحلبي المذكور في المتن: الصفحة ٤٠١ من هذا الكتاب أيضا).
يقول المستدل: إن هذين الحديثين يدلان على أنّ للناس أن يختاروا كلّ من كان مؤمنا للقضاء و الحكم بينهم، و أن قضاءه معتبر.
و يجاب عن هذا بأنّ هذه الروايات و أمثالها وردت في القاضي المنصوب، لا قاضي التحكيم، لأن الإمام ٧ يقول في إجابة السائل: «انظروا إلى رجل منكم (أي مؤمنا) يعلم شيئا من قضايانا (أي فقيها) فاجعلوه بينكم فإني جعلته قاضيا فتحاكموا إليه». لاحظوا صحيحة أبي خديجة مع بياننا في صفحة ٣٦١ من هذا الكتاب.
فالجعل الشرعي سابق على جعل المتخاصمين، لا العكس، و التعبير بجعل المتخاصمين أو رضايتهما لا يختلفان من جهة أنهما متأخران عن الجعل الشرعي (فتأمل جيدا).
و أما صحيحة الحلبي ذكرناها في (الصفحة ٤٠١) الذي قال فيه الإمام ٧ بعد السؤال عن حكم القضاة المنتخبين من جانب الناس: «ليس هو ذاك، إنّما هو الّذي يجبر الناس على حكمه بالسيف و السوط».
و هذا الحديث هو في معرض نفي الاعتبار عن قضاء القاضي غير الشيعي، فهو لا يرتبط ببحثنا أيضا، بل هو كما عرفت راجع إلى مسألة الإيمان و عدم الإيمان فقط، بينما هو ساكت