الحاكمية في الإسلام - الخلخالي، السيد محمد مهدي - الصفحة ١٧ - مكانة العقل في التشريع
مكانة العقل في التشريع:
الواقع: أن المتبع من أمر الدين هو ما أصابه الوحي، و عجز عنه العقل البشري- دين اللّه لا يصاب بالعقول- عدا المستقلات العقلية التي يحكم بها العقل كما يحكم بها الشرع، من استحسان العدل و الإحسان، و استهجان الظلم و العدوان.
و أن الإنسان بكل ما أوتي من عقل- مطبوع أو مكتسب- لا يستطيع أن يميّز به ما هو من العدل أو الظلم، بمعايير من إدراكاته و ميوله.
و أما الدين، فهو الرؤية الإلهية التي تصيب كبد الواقع، من دون أن يتخطاه في أحكامه و تشريعاته في موارد العدل و الظلم، و مصاديقهما، و هو يدرك فوق ما يدركه العقل البشري المحدود.
و بتعبير آخر: أن العقل الكلي لا يمكن أن يحيط به أفراد الناس مهما رجحت عقولهم. و أما العقل الجزئي، فلا يمكن أن يدرك به الإنسان واقع الأمور و متسعاتها أو يحيط بها، فإذا حكم الشرع في أمر فمن شأنه أن يتعبّد به الإنسان و إن خالفه عقله، إلّا أن ينتهي ذلك إلى قضايا عقلية ضرورية، و هي التي لا يخالفها الدين.
و في هذا المورد يقول الإمام الخوئي: «لا ريب أنّ الأحكام الشرعية مجعولة طبق المصالح و المفاسد الواقعية، و ليست مجعولة جزافا، إلّا أن عقولنا القاصرة لم تسعها أن تدرك تلك المقتضيات- و دين اللّه لا يصاب بالعقول- فلأجله يتعين علينا أن نتعبد بالأدلة الشرعية السمعية، من الكتاب و السنة. نعم، قد يدرك العقل البشري أمورا ضرورية واضحة، لا يعتريها أي شك و شبهة، كحسن العدل و الإحسان، و قبح الظلم و العدوان. و لكن الظاهر أن كل ما هو من هذا القبيل قد ورد فيه شاهد و معاضد من الأدلة السمعية، و هناك أحكام عقلية أخرى