الهداية في الأصول - الصافي الإصفهاني، الشيخ حسن - الصفحة ١٠٧ - و نعني بالسببيّة سببيّة الأمارة لحدوث المصلحة، وهي تتصوّر على أقسام ثلاثة
و أمّا
تعبيره عن الأحكام الواقعيّة بالأحكام الإنشائية: فإن كان المراد من الحكم
الإنشائيّ أنّه ما ليس بداعي البعث أو الزجر، بل كان بداع آخر من الدواعي
من الامتحان أو الإرشاد أو غير ذلك، فالقول به مساوق لإنكار الحكم الواقعي
من رأس، فإنّ الإنشاء لو لم يكن بداعي البعث لم يكن طلبا في الواقع، إذ
الإنشاء بأيّ داع تحقّق يكون مصداقا لذلك الداعي، فالإنشاء بداعي الامتحان
مصداق للامتحان، وبداعي الإرشاد مصداق للإرشاد، وبداعي الاستهزاء مصداق
للاستهزاء، وهكذا.
و إن كان المراد منه ما يكون بداعي البعث أو الزجر ولكن لم يصل إلى المرتبة
الفعليّة-كما هو الظاهر من تعبيره الثالث بأنّها أحكام فعليّة من بعض
الجهات بمعنى أنّه لو علم بها لتنجّزت-فقد مرّ في بعض المباحث السابقة أنّ
فعليّة الحكم تدور مدار فعليّة موضوعه وجودا وعدما، وأنّ عدم فعليّة وجوب
الحجّ بعد تحقّق موضوعه وفعليّته-و هو المستطيع-خلف ومناقضة، كما أنّ
فعليّة وجوب الحجّ بالنسبة إلى فاقد الاستطاعة ومن لم يتحقّق له زاد وراحلة
خلف ومناقضة، وقلنا: إنّ الحكم وموضوعه أشبه شيء بالمعلول وعلّته في عدم
انفكاك أحدهما عن الآخر.
و على هذا فبعد ما جعل الشارع الحكم الواقعي على الموضوع المقدّر وجوده،
فإن كان عدم فعليّة هذا المجعول من جهة عدم وجود موضوعه بماله من الأجزاء
والقيود التي من جملتها عدم قيام الأمارة على الخلاف، فمعناه أنّ الأحكام
الواقعيّة مختصّة بالعالمين بها، وإن لم يكن ذلك دخيلا في موضوعه ومع ذلك
لم يصر الحكم فعليّا عند قيام الأمارة، فقد عرفت أنّه خلف ومناقضة.