التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧٤ - غلو فاحش
أم كيف تتوصّل إلى سرّ زيادة الألف في «سَعَوْا» في سورة الحج، ونقصانها من «سعو» في سورة سبأ!
وإلى سرّ زيادتها في «عَتَوْا» حيث كان. ونقصانها من «عُتُوٍّ» في سورة الفرقان!
وإلى سرّ زيادتها في «آمَنُوا» وإسقاطها من «باؤُ. جاؤُ تبوّؤ. فاؤُ» بالبقرة!- ثمّ يقول:- وكيف تتوصّل إلى حذف بعض التاءات وربطها في بعض!
فكلّ ذلك لأسرار إلهيّة وأغراض نبويّة. وإنّما خفيت على الناس لأنّها أسرار باطنيّة لاتدرك إِلّا بالفتح الربّاني. فهي بمنزلة الألفاظ والحروف المقطّعة التي في أوائل السور، فإنّ لها أسرارا عظيمة ومعاني كثيرة وأكثر الناس لايهتدون إلى أسرارها، ولايدركون شيئا من المعاني الإلهيّة التي اشير إليها، فكذلك أمر الرسم الذي في القرآن حرفا بحرف».[١]
هذا وقد كشف بعضهم عن هذا السرّ الخفيّ، وأبدى تمحّلات غريبة، فزعم أنّ زيادة الألف في «لااذبحنه» إنّما كانت للدلالة على أنّ الذبح لم يقع. وأنّ زيادة الياء في «وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْيدٍ»[٢] للإيماء إلى تعظيم قوّة اللّه التي بنى بها السماء، وأنّها لاتشبهها قوّة، على حدّ القاعدة المشهورة: زيادة المباني تدلّ على زيادة المعاني.[٣]
وقد أوضح في ذلك وأسهب أبو العباس المراكشي الشهير بابن البناء (ت ٧٢١) في كتابه «عنوان الدليل في مرسوم التنزيل»، وبيّن أنَّ هذه الأحرف إنّما اختلف حالها في الخطّ بحسب اختلاف وأحوال معاني كلماته، من حكم خفيّة وأسرار بهيّة، منها: التنبيه على العوالم الغائب والشاهد، ومراتب الوجود والمقامات. والخطّ إنّما يرتسم على الأمر الحقيقي لا الوهمي ...
[١] - مناهل العرفان، ج ١، ص ٣٨٢- ٣٨٣ نقلًا عن ابن المبارك في كتابه« الابريز».
[٢] - الذاريات ٤٧: ٥١.
[٣] - مقدّمة ابن خلدون، ص ٤١٩؛ ومناهل العرفان، ج ١، ص ٣٧٤.