التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣١٥ - وصف مصحف ابنمسعود
جهة ثالثة: إسقاطه سورتي المعوذتين (الفلق والناس)، اعتقادا منه أنّهما عوذة يتعوّذ بهما لدفع العين أو السحر، كما ورد أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله تعوّذ بهما من سحر اليهود، وقال: ما تعوّذ متعوّذ بأفضل من «قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ...» و «قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ...».[١]
وقد صحّ الإسناد إلى ابن مسعود: أنّه كان يحكّ المعوذتين من المصاحف، ويقول:
لاتخلطوا بالقرآن ماليس منه، إنّهما ليستا من كتاب اللّه، إنّما أمر النبيّ صلى الله عليه و آله أن يتعوّذ بهما.
وكان ابنمسعود لايقرأ بهما في صلاته.[٢]
هذا .. وقد أنكر بعضهم صحّة هذه النسبة إلى ابن مسعود، كالرازي وابن حزم- فيما نقل عنهما ابن حجر- وردّ عليهما بصحّة إسناد الرواية قال: والطعن في الروايات الصحيحة بغير مستند لايقبل. بل الرواية صحيحة والتأويل محتمل.[٣]
وأخذ الباقلاني في بيان هذا التأويل، قال: لم ينكر ابنمسعود كونهما من القرآن، وإنّما أنكر إثباتهما في المصحف، فإنّه كان يرى أن لايكتب في المصحف شيئا إلّا أن كان النبيّ صلى الله عليه و آله أذن في كتابته فيه. وكأنّه لم يبلغه الإذن في ذلك، فهذا تأويل منه وليس جحدا لكونهما قرآنا.
قال ابنحجر: وهذا تأويل حسن، إِلّا أن الرواية الصحيحة الصريحة التي ذكرتها تدفع ذلك، حيث جاء فيها: ويقول إنّهما ليستا من كتاباللّه. نعم يمكن حمل لفظ كتاب اللّه على المصحف، فيتمشّى التأويل المذكور.[٤]
قلت: هذا التأويل الأخير أيضا لايلتئم مع قوله: «لاتخلطوا بالقرآن ماليس منه».[٥]
(ملحوظة): قديزعم البعض أنّ مانسب إلى ابن مسعود يناقض القول بتواتر النصّ القرآني!
لكن غير خفيّ: أنّ ابن مسعود لم ينكر كونهما وحيا- بمعنى العامّ- وإنّما أنكر كونهما
[١] - الدرّ المنثور، ج ٦، ص ٤١٦- ٤١٧.
[٢] - فتح الباري، ج ٨، ص ٥٧١؛ والدرّ المنثور، ج ٦، ص ٤١٦.
[٣] - فتح الباري، ج ٨، ص ٥٧١.
[٤] - المصدر.
[٥] - الدرّ المنثور، ج ٦، ص ٤١٦.