التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٦ - إنزال وتنزيل
وأمّا التنزيل فهو نزول تفاصيله تدريجيّا في تمام مدّة الرسالة.[١]
لكن الحقيقة تبدو غيرذلك، فقد حكى اللّه عن العرب قولتهم: «لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً»،[٢] فجاء التعبير عن نزول جملة القرآن دفعة بالتنزيل. وأيضا قوله تعالى:
«لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا»،[٣] والملك شخص وهو لاينزل شيئا فشيئا مدرّجا.
وقوله: «وَ قالُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ»،[٤] والآية تنزل لفردها.
وقوله: «وَ يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْ لا نُزِّلَتْ سُورَةٌ»،[٥] أي نزولها جملةً.
وقوله: «وَ لَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ»[٦] أي نزوله بجملته.
ويرد على العلّامة فيما حسبه من اختصاص لفظة الإنزال بالبسائط، قوله تعالى: «هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ»[٧] والكتاب المنزل الذي فيه المحكم والمتشابه هو هذا القرآن الذي فيه تفصيل وتبيين.
وقوله: «وَ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا».[٨] والنازل مفصّلًا هو هذا القرآن الذي نزل منجّما.
وقد جمع بين التعبيرين بشأن هذا القرآن في آية واحدة: «وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ
لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ».[٩]
وقد وهم الزمخشري هنا مرّتين، أُولاهما: ما حسبه بشأن الإنجيل أنّه كتاب وماهو إلّا بشائر ألقاها على الحوارييّن. ولم يكن له كتاب بمعناه المصطلح.[١٠] وقوله: «آتانِيَ الْكِتابَ»[١١] يعنى به الشريعة ذاتها وهو تعبير مصطلح شائع، قال تعالى: «يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ
[١] - تفسير الميزان، ج ٢، ص ١٤.
[٢] - الفرقان ٣٢: ٢٥.
[٣] - الإسراء ٩٥: ١٧
[٤] - الأنعام ٣٧: ٦.
[٥] - محمد ٢٠: ٤٧.
[٦] - الأنعام ٧: ٦.
[٧] - آلعمران ٧: ٣.
[٨] - الأنعام ١١٤: ٦.
[٩] - النحل ٤٤: ١٦.
[١٠] - راجع: التمهيد، الجزء الثامن، أين صار الإنجيل النازل على المسيح؛ وقصص الأنبياء للنجار، ص ٣٩٩.
[١١] - مريم ٣٠: ١٩.