التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٨ - ٢ - نزول جبرائيل
من تاريخهم، فكانوا بين أشخاص التزموا مهنة التسوّل وعاشوا في ملاجئ الإحسان وبين رجال ونساء فاسدين، وأكثر من نصف النساء عاهرات، وبعضهم حذق أساليب الإجرام، وتفنّن في الاحتيال والنهب والسرقة والقتل.
ولم يعثر في سجلّ هذه الاسرة من بداية تاريخها على واحد قدتعلّم في مدرسة أو تخرّج في جامعة، ولكن وجد فيها عشرون شخصاً قدتعلّموا صناعات مختلفة، ولكن أين تعلّموها؟ لقد تعلّموها بين جدران السجون، وسبب هذا النسل الفاسد كلّه ليس إلّا رجلًا واحداً فاسداً، قد لقّحت نطفته الفاسدة المرأة، فنقلت إلى بويضتها الفساد فورث البنات والبنين الشرّ.
هذا مثل طبّي أوردَته كتبُ الطبّ، وأثبتت كيف نشأ النسل فاسداً كأبيه، وقد سبقه القرآن الكريم فقال: «فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا. يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَ ما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا».[١]
إنّ إدمان الخمور هو مرض عائلات بأسرها، وإنّ عدواه لتنقل إلى الذرّية بالتوريث ثمّ بالتقليد، فإنّ مرض الخمور أسوأ مرض للذرّية يقتدونه. ثمّ إنّ المخ يتأثّر بالخمور، فيصبح مدمنها ضعيف العقل لايبرم أمراً ولايعي شيئاً. فالخمور تسمّم خلايا الجسم، ولاسيّما المجموعة العصبية منه، وتؤثّر في الحيوانات المنوية فتفسد «بروتوبلازمها» وتشوهّه، فينشأ النسل كذلك مريضاً ضعيف المخّ.
وليس فساد النطفة من الخمر مقصوراً على أنسال نسل ضعيف المخّ أو فاسد الأخلاق، بل إنّها تسبّب أمراضاً اخرى في ذرّيات مدمن الخمور. وما أمراض الفساد الباهي والشهوة الضالّة كمرض «الساديزم» و «الماسوشيزم» إلّا نتيجة ذلك.
وهذه الأمراض الوراثية هي علامة نقص في المخّ وضعف في الإرادة ونزوع إلى الجريمة. وما هذا النزوع للجريمة إلّا مرض عقلي، فكما أنّه لايوجد فاصل حقيقي بين حدّي العقل والجنون فكذلك لايوجد فاصل حقيقي بين حدّي الجريمة والجنون. فإنّه
______________________________
(١)-
مريم ٢٧: ١٩- ٢٨.
[١] - مريم ٢٧: ١٩- ٢٨.